هل لا تزال أسئلة الشعر الكلاسيكية تُطرح اليوم؟ وأقصد تلك الأسئلة العميقة حول جوهر الأدب وغاياته الفنية والجمالية وعلاقته بالهوية والحداثة والمعاصرة؟ أم أن النقاشات التي تدور حول الشعر ومستقبله أصبحت كلها تقع في خانة تأثير الذكاء الاصطناعي عليه؟
من يراقب طبيعة الإشكالات التي تثار اليوم حول قضايا الشعر، يجد أنها أصبحت تتطرق إلى المؤثرات الجديدة التي دخلت عليه والظواهر التي أفرزتها طبيعة حياتنا المتغيرة السريعة على حضور الشعر في حياتنا اليومية. وفيما قطعت القصيدة الجديدة، التي تبنت خيار أن تكون (مكتوبة)، وتخلى أصحابها عن شروط الوزن خلال السنوات الـ 50 الأخيرة، شوطاً جيداً في تسجيل حضورها. نجد أن قصيدة الأداء الحي التي تعتمد الشفاهية والإلقاء المنمّق قد عادت بقوة لتحتل مكانة متقدمة على منابر الهواتف الذكية، إلى درجة أن كثيرين وجدوا في هذا النمط من الأداء الشعري سوقاً جيدة لانتشارهم، فراحوا ينهلون من التراث العربي الغني، ويعيدون إنتاجه بوسائل اليوم بما فيها النصوص التي يقرأها لنا الذكاء الاصطناعي ويجمّلها بالصور والفيديوهات. وبالطبع، فإن انتشارها يعني انتشار تأثيرها على الأقل في الأجيال الشابة الجديدة المستهلكة للثقافة الجاهزة والمعلبة.
طوال تاريخه، ظل الشعر العربي يطور منظومته الفنية من الداخل، وبذل الشعراء جهداً مضاعفاً في البحث عن صيغ تعبير جديدة تناسب العصر الذي يعيشونه، حتى وصلنا قبل 80 سنة تقريباً إلى شعر التفعيلة ثم انتقلنا إلى قصيدة النثر ومن بعدها تعددت الأنماط التحديثية والتجريبية، وهي كلها كانت تبحث عن ثورة في بنية الشكل والمضمون، لكن ما يحدث اليوم أن تأثير الوسائل الحديثة عاد ليرسّخ أشكالاً من الإنتاج الأدبي أغلبها يقع داخل حدود العادي والاستهلاكي، بينما القصيدة التي تُكتب بعمق وبتأمل حقيقي في أسئلة الإنسان لا تجد لها منبراً أو جمهوراً، وهذه إشكالية منتشرة على مستوى العالم كله ولكن بدرجات وبحسب عمق ثقافة كل مجتمع ومستوى تعليم الأجيال الجديدة فيه.
أيضاً من يقرأ في البيانات التي قيلت في مناسبات يوم الشعر العالمي في العامين الأخيرين، يلمس تلك النبرة التي ترى في الشعر لغة للسلام العالمي، وجسراً ضرورياً لارتقاء التفاهم بين الشعوب، ويحمّله دوراً أخلاقياً لا تزال الإنسانية تتمسك به من أجل التواصل والحوار حول القيم المشتركة. فهل تجد هذه القصيدة التي ينادي بها الجميع مكانها الحقيقي بيننا؟