في تلك اللحظة اليقظة التي يدرك فيها الفنان أنه أمام مفترق طرق، وأن عليه أن يختار بين التمسك بتقاليد الماضي وتكراره من أجل محاباة التقليديين، وبين الانطلاق نحو المستقبل بأجنحة جديدة. في تلك اللحظة يحدث القرار الإبداعي الحقيقي، ويتحوّل المبدع إلى كائن خلّاق في تعامله مع مشروعه الإبداعي ليصبح (متجاوزاً) لما سبق أن طرحه السابقون في الشكل والمعنى، إذ لا تكتمل العملية الإبداعية إلا إذا أضاف عليها شيئاً من روحه، وفيضاً من الابتكار غير المسبوق. ولذلك يصبح مفهوم (التجاوز) مطلباً، وشرطاً لكل من يريد أن يحقق ذاته في الأدب والفن.
والتجاوز هو جسر العبور الحقيقي للمبدعين الكبار الذين أضافوا لمسة تجديد واضحة في مسيرة الفنون على مدى التاريخ، وهو ليس ثورة مجانية عمياء ضد تقاليد أو قوالب جاهزة، بل رحلة بحث، ومغامرة عن أراض خصبة جديدة يمكنها احتضان صوت الفنان في زمنه ومكانه. إنه انتقال من سؤال إلى سؤال أعمق من أجل فهم هذا الاتساع الكبير من وعينا بالعالم، ومن تداخل الهويات المعرفية، وتشظي المعارف وسط هذا الانفجار الكوني.
كل مدارس الأب والفن كانت تثور على ما قبلها في أفق تاريخي خطي، لكننا اليوم بحاجة إلى مدرسة تستوعب كل هذه الاحتمالات والمدارس التي نادت بمفاهيم التجديد بحيث لا يكون للشكل الفني قالب واحد بعينه، وأن يكون شرط الابتكار في الشكل والمعنى هو الأساس في الحكم على هذا العمل أو ذاك.
بهذه الصيغة يصبح التجاوز ليس هدماً للقديم بقدر ما هو توسيع أفقه. إنه انتقال من فهم محدود للجمال إلى باب مفتوح على مطلق الإبداع. نحن ننادي بهذا لأن اللغة التي يتم تكرارها تموتُ وتتعرض جمالياتها للأفول. النص الذي يتم اجتراره على مدى سنين طويلة بالمفردات والقوالب نفسها هو نص ميت. من هنا تأتي أهمية التجاوز شرطاً جمالياً وفلسفياً للإبداع الحقيقي، لأنه يفتح باب المغامرة على المزيد من الاكتشاف والدهشة.
كلنا بحاجة اليوم إلى الشجاعة والجرأة على توليد خطابنا الثقافي والفني بصيغ متطورة تستفيد من التقدم المذهل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الذي صار ينتج لنا إبداعات وقصائد مركبة كونه يغرف، ويستفيد من كل خبرات الإنسانية. بينما الأكثرية لا يزالون متمسكين بالقالب القديم لشكل القصيدة ومعناها. فهل نتجاوز التقليد الأعمى، أم يتجاوزنا الزمن؟.


