في محيطِ الأسرةِ، تغرقُ محيطاتُ العالمِ كلُّها، فكلُّ أسرةٍ كونٌ قائمٌ بذاتِه، له عمقُه، وأسرارُه، وتفاصيلُه التي لا يراها إلا من عاشَهُ. لكلِّ أسرةٍ بُعدٌ إنسانيٌّ عميقٌ، كما أن لها زوايا غامضةً تشبهُ مثلثَ برمودا، حيث تختفي الخلافاتُ أحياناً وتعودُ الذكرياتُ لتطفو من جديدٍ. غيرَ أن ما يجعلُ هذا العالمَ قابلاً للاستمرارِ هو الحبُّ؛ ذلك الرابطُ الخفيُّ الذي يجعلُنا نلتفُّ في دوائرِ المحبةِ والذاكرةِ دون أن نملكَ القدرةَ على الإنكارِ أو الانفصالِ.
الأسرةُ ليست مجردَ رابطةِ دمٍ، بل هي تراكمُ أيامٍ، ومواقفٍ، ومعارفَ، وتجاربَ تُنقشُ في الذاكرةِ، وتشكّلُ وعينا بالعالمِ. في لحظاتِ الجلوسِ العائليةِ الهادئةِ، حيث تتقاطعُ الحكاياتُ والضحكاتُ والصمتُ، ندركُ أن ما يجمعُنا أعمقُ من الاختلافاتِ، وأن التسامحَ ليس خياراً، بل ضرورةً للحفاظِ على هذا الكيانِ الإنسانيِّ الصغيرِ.
مع بدايةِ كلِّ عامٍ، تبرزُ الحاجةُ إلى مراجعةِ الذاتِ داخلَ الأسرةِ، إلى دعوةٍ صادقةٍ لمزيدٍ من التسامحِ، والضحكِ، والتغاضيِ عن الزلاتِ، واستحضارِ إرثِ الوالدينَ والأجدادِ. فذلك الإرثُ ليس مجردَ ذكرياتٍ، بل منظومةُ قيمٍ ومبادئَ تشكّلُ هويتَنا، وتميّزُنا عن غيرِنا. إنَّه إرثٌ لا يشبهُ شيئاً آخَرَ في العالمِ، لأنَّه نتاجُ بيئةٍ، وثقافةٍ، ووطنٍ احتضنَ الإنسانَ قبلَ أيِّ شيءٍ.
وحين نقولُ إن الكبيرَ هو اللهُ في إيمانِنا، والكبيرَ هو الوطنُ في قلوبِنا، فإنَّنا نرسّخُ معادلةَ الاستقرارِ والطمأنينةِ. فحبُّ الوطنِ ليس شعاراً، بل ممارسةً يوميةً تبدأُ من الأسرةِ، من احترامِ الآخرِ، ومن الإيمانِ بأن القيمَ الوطنيةَ تُزرعُ أولاً في البيتِ. ومن هنا، تأتي عبارةُ «عيشي بلادي» كتعبيرٍ صادقٍ عن انتماءٍ وجدانيٍّ عميقٍ، لا يحتاجُ إلى تفسيرٍ.
للعارفينَ أقولُ، لقد أكرمنا اللهُ بقيادةٍ رشيدةٍ جعلت من قيمِ التسامحِ والتعايشِ نهجاً ثابتاً، ومبادراتٍ حيّةً تقرّبُ المسافاتِ، وتلغي التحدياتِ، وتحوّلُ التنوعَ إلى مصدرٍ قوي. في فضاءِ الإماراتِ الرحبِ، يصبحُ المجتمعُ، بكلِّ أطيافِه، أسرةً واحدةً، قائمةً على المساواةِ أمامَ اللهِ والقانونِ، وفي تجربةٍ إنسانيةٍ فريدةٍ تستحقُّ الفخرَ. وهكذا، يمتدُّ عالمُ الأسرةِ من الدائرةِ الصغيرةِ إلى الوطنِ الكبيرِ، ليؤكدَ أن ما يجمعُنا دائماً أقوى مما يفرّقُنا، وأن الجمالَ الحقيقيَّ يكمنُ في هذا التلاحمِ الإنسانيِّ النبيلِ.