كنت أدعو في قلبي أن لا يلزمني سكان تلك القرية البسيطة في «تركستان» على البقاء لصلاة العشاء، لأنها لا تحتاج لقصار السور التي احفظها، وتحتاج مني كإمام الجهر، خاصة أن كل القرية ستصطف وراء ظهري، والذي سيكون حينها تقول «زالغنه بميسم ضو»، لكن مرشدتي السياحة والمترجمة هي من أنقذت الموقف، وكان «قصوري أحبها على رأسها»، وأخرجتني من تلك القرية التي كانت دعوات أهلها الطيبين تتبعني، وأنا أشعر بثقل تلك البركة التي كانوا يعتقدونها فيّ، وأنا أعرف نفسي خفيف تقوى، وإن تصنعت الضحكة تفضحني، ودعتهم بتلك الحركة الودائعية الصوفية المستكينة، مثل شيخ صالح فُتح له الحجاب والكتاب يأملون ببركة حضوره مرة أخرى.
مما تبقى من محطات على مفترق الطرق أو مطويات على دروب السفر في الجهات الأربع:
- لا أدري.. لِمَ النهر في المدن والقرى الصغيرة يشعرني بسريان الحياة، ودبيب العافية، وديمومة الأشياء، وأن هذه البقعة التي يسلكها، بمباركة درويش فان متفانٍ، ستبقى في خلودها السرمدي. النهر هو دائماً كالجد الحاني، لا يشعرني بغير ذاك، وأجزم أنه يعرف كل بيوت المكان، باباً.. باباً، وأنه حارس لها حين تختل موازين الطبيعة، وحين يطغى الإنسان، وأنه وحده من يميز الأعداء الداخلين إلى عرين أشباله، فيجرف جثثهم إلى هاوية المكان، محظوظة تلك القرى والمدن التي ولدت على ضفاف الأنهار، لأنها بنيت، وكان أساسها الحب وطمي النهر، وعشق ألوان الحياة.
- المسافرون منذ السبعينيات لو يعدون لكم تلك الطائرات الافتراضية التي كانوا على متنها أو في «الكَرّيَل»، وأنا منهم، سيتملككم العجب، مرة تطير بجناح، ومرة يشغّلونها بـ«هندل»، وهناك طائرات حمّالات «عَبّرية، كشَار، خشب»، ولا تشتكي، مثل «طيّارة أم أحمد»، طائرة من أيام النضال التحرري، ومنظمة الشبيبة العالمية، كانت فيها المضيفة خريج الفوج الرابع من الجيش الأحمر ترمي للمسافرين البطانيات الصوفية الرمادية ذات الوبر، وكأننا زملاؤها المظليون، ومرة ركبنا طائرة كانت تحوم أعالي جبال آسيا الوسطى الصخرية، والمضيفة فيها كانت لها مهمة محددة، هي التجهم، ورمي ما في سلة الفواكه، وأنت ونصيبك أيها المسافر؛ «غرمول موز، تفاحة فاسدة في جنبها، عنقود عنب مهروس، برتقالة ستظل تتضارب معها علشان تقشرها». ومرة في صنعاء ركبنا طائرة «انطونوف» روسية الصنع، كانت تحمل معنا دبابة معطلة. طبعاً الطائرات التي تسوق اللحم عبر رومانيا وبلغاريا، كانت من الطائرات التي تناسب ميزانية الطلبة الهاربين صيفاً، «أيييه» يا أخوان.. والله ركبنا طائرات كانت تتوقف على بعض القرى، وترش «فليت»، ومبيدات حشرية، لمكافحة الآفات الزراعية، أما الطائرات الأفريقية، فقد كانت «هِسّه، ومن الوهف ما تشاهد»، وبدا الواحد منا مثل محاربي الطوارق بتلك اللثامة، ومرة ركبنا طائرة إلى ظفار، أعتقد أنها خدمت في الجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الأولى، أو على الأقل أيام «RAF» لا محالة، كانت الضمادات واللزق في كل جوانبها كعجوز هرمة لا تبرح مكانها، وبين مدن أوروبا ركبت مرة طائرة صغيرة أعتقد أنها لم تكن بحاجة إلى طيّار، يكفيها «العبوله» مساعده فقط، ومضيفة كانت في يوم من الأيام تقص تذاكر المواصلات العامة، وأربعة ركاب لا أدري كيف جمّعهم الحظ، على سيمائهم الكذب بأنهم رجال أعمال أو قد يكونون مهمين، ومحدثكم، لا أعرف «هم طنفوني أو أنا طنفتهم»، وطرنا حينها من مطار خاص في سويسرا، علشان تعرفون مقدار الكذب والوجاهة الزائفة، ونزلنا في مطار فرنسي منزوٍ وبعيد ربما استغله الحلفاء أيام الإنزال أو ما يعرف بـ «D.D» في نورماندي.


