كانت صدمتها كبيرة، بحجم الحب الذي تربع في فؤادها على مدار سنوات العمر وهي تسكن تحت سقف الطمأنينة، فقد رأت ما يراه النائم من حلم مفزع يقض منامه، وينتزعه من هدأة الليل البهيم، ويشيح به نحو غايات يتراكم فيها الغبار، وتتجمع مخلفات أزمنة كالحة. بالمصادفة، وللمصادفات مآلاتها المرعبة عندما تنتفض عن خبر، أو صورة مغايرة للواقع، فقد قرأت هذه المرأة كلمات صفت في ورقة بحجم كف اليد، مفادها أن امرأة أخرى تعتب على زوجها بسبب تخلفه عن موعد معها كان يجب عليه أن يفي به، ويلتقيا في مقهى بمحل تجاري كبير.
صعقت المرأة، وأمسكت بالورقة الصغيرة بكف، تجمدت أصابعها، وصارت مثل مكعب ثلج ألقي به في عالم مضطرب.
تسمرت المرأة في مكانها مثل تمثال شمعي قديم، وصارت تلعق ريقها الناشف كمن قطعت مسيرة يومين مشياً على الأقدام، وشعرت بأنها تسكن تحت الأرض، تحفها الرمال الساخنة من كل جانب، ولما تعيد قراءة الرسالة تتخيل أنها تقرأ رسالة تفاصيل الجمرات، وهي تحرق قلب طائر ألقي به في التهلكة، لمجرد أنه وثق بصاحبه، ولكنه خانه لدواعي رغبات طائشة.
فكرت المرأة، ماذا بإمكانها أن تتصرف حيال هذه المحنة، فهي هزيمة منكرة لها، وعلى خلاف من تعتقده بعض النساء في مثل هذه الحالات، فإن هذه المرأة ألقت باللائمة على نفسها، وراحت تبحث عن ثغرة، عن سبب هذا الانجراف من قبل زوجها، تجاه امرأة أخرى، وفتشت، وتفحصت في جيوب العلاقة بينها والزوج وفجأة شهقت، وفتحت عينيها، حين اكتشفت أن هناك ثغرة كبيرة لم تنتبه إليها، هذه الثغرة تتضمن التالي، وهي أنها في الأيام الأخيرة تخلت عن كونها حبيبة، وتحولت إلى زوجة فقط، ولا تفكر في جانب مهم في علاقة الزوج بزوجته، وهي علاقة الحب خارج إطار العلاقة الزوجية الرتيبة، والمعتادة بين الأزواج بعد أن تمر سنوات عدة، ويألف أحدهما الآخر، ويظن أنه امتلك السماء والأرض، وأنه لا خوف من تقلب الأحوال الجوية لهذا الكائن البشري المحكوم بمشاعر، وكما يقال إن الإنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، فهو طفل كبير، بمعنى أنه بحاجة ماسة للحب، وعاطفة الحب ضرورة وجودية، مهما امتد الزمن بالعلاقة الزوجية، فإن الحب هو الترياق، وهو البلسم الذي يعيد ترتيب المشاعر للإنسان متى ما لعبت بها رياح الزمن.
توقفت المرأة عند نقطة مهمة، وتذكرت كيف أصبحت علاقتها بالزوج، حيث إنها تمر عليها أيام لا تلتقي به، وأيقنت بأن السر يكمن هنا، وأن الزلزال كان سببه الجفاف العاطفي، والذي أرغم الزوج على البحث عن الحب في مكان آخر.
وفكرت وقالت ماذا علي أن أفعل؟ هل أغادر البيت، بصمت ومن دون ضجيج وتكون رحلة آخر المطاف لعلاقة زوجية استمرت سنوات، أم أظل في مكاني وأتحمل المسؤولية وأحتضن زوجي، فربما أستطيع ترميم ما حدث في الجدران.
وبالفعل نفذت الخطة، واستمرت في تحمل نظراته الغريبة تجاه تحولها، ولكنها انتصرت أخيراً فصارحها الزوج قائلاً: طالما كنت تستطيعين القيام بهذا الدور النبيل، فلماذا تجاهلت دورك؟ لماذا قذفت بي في وجه العاصفة؟ اعتذرت الزوجة، قبلت رأس زوجها، فانحنى لها ضارعاً، وعادت المياه إلى مجاريها.


