لا تصنع القرارات الإدارية وحدها مدناً جميلة، بل يتحقق الجمال لها في القدرة على استثمار جماليات الطبيعة، والوعي المجتمعي الذي يشعر فيه كل فرد في المجتمع بأن الشارع، الحديقة، والحي الذي يعيش فيه امتداد لبيته الخاص. وهو ما تراهن عليه دائماً دائرة البلديات والنقل والمدن التابعة لها في إمارة أبوظبي.
ومن هذا المعنى، انطلقت حملة بلدية مدينة العين «العين تستاهل»، التي اختتمت مؤخراً بعد سبعة أشهر من العمل المتواصل، مقدمة نموذجاً ملهماً في العمل البلدي القائم على الشراكة المجتمعية.
نجاح الحملة في مدينة العين لا يقاس بعدد المبادرات أو الزيارات الميدانية فحسب، بل بالأثر الذي تركته في سلوك الأفراد ونظرتهم إلى مدينتهم. أكثر من مليون مستفيد، وعشرات الآلاف من الزيارات التوعوية، ومشاركة 21 جهة من الشركاء، أرقام تعكس حجم الجهد، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن إيمان حقيقي بأن الارتقاء بالمظهر العام مسؤولية مشتركة، لا مهمة جهة واحدة.
ما يميّز «العين تستاهل» أنها لم تكتفِ بالرسائل التوعوية التقليدية، بل ذهبت مباشرة إلى الناس في أحيائهم، وأسواقهم، ومزارعهم، ومدارسهم، وحتى أماكن تنزههم. هذا الحضور الميداني، القائم على الحوار والتواصل، أسهم في تحقيق نسبة رضا لافتة بلغت 98%، وانعكس بشكل واضح على انخفاض مخالفات مشوهات المظهر العام بنسبة تجاوزت 36%.
الحملة أيضاً نجحت في الوصول إلى شرائح متنوعة من المجتمع عبر مبادرات مخصّصة للجاليات، والطلبة، وأصحاب المحال، والمقاولين، ما حول مفاهيم النظافة والالتزام إلى ممارسات يومية، وأسهم في تحسين المشهد الحضري العام لأحياء مدينة العين. والأهم من ذلك، أنها عزّزت قيم الانتماء والمسؤولية، ورسّخت صورة ذهنية إيجابية للمدينة الواحة، كمدينة مستدامة ذات جودة حياة عالية.
«العين تستاهل» لا تُعد فعالية عابرة، بل تجربة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر للحفاظ على المدن وجمالها. وما تحقق من نتائج ومؤشرات نمو لافتة، يشكل قاعدة صلبة للبناء عليها مستقبلاً، عبر مبادرات أكثر تخصصاً واستدامة، تواصل إشراك المجتمع كشريك أساسي في حماية مكتسبات المدينة.
مدينة العين لها في القلب والذاكرة الوطنية مكانة خاصة، وقد ارتبطت بمحطات مهمة في تاريخ أبوظبي والإمارات إجمالاً، فهي المدينة الواحة التي شهدت بزوغ نجم الوالد المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وشكّلت شخصيته القيادية الحكيمة، ورافقت حلمه الكبير في قيام دولة الاتحاد واحة وارفة الظلال.
خلاصة التجربة تؤكد أنه حين يؤمن الناس بأن مدينتهم «تستاهل»، فإنهم سيمنحونها من وقتهم ووعيهم وحرصهم ما يجعلها أجمل.. اليوم وغداً.