في مهرجان الشعر في العاصمة الجميلة تبدو الكلمة سيمفونية الوجود، ويبدو الوجود مثل خيمة سحرية تحت سقفها تخلق فراشات اسمها الكلمات، وخيال الشعراء سماء زاهية بنجوم الخطاب الشعري، منثوراً على الأسماع عطراً يعبق الذائقة، ويمنحها رونق الجمال، يمنحها مهارة التذوق، ويمنحها حكم الفرائد على أغصان شجرة البوح الجميل. شكراً هيئة التراث في عاصمتنا الرائعة، شكراً لأن الشعر ديوان الأحلام الزاهية، وعندما تفتح صفحاته على المدى، يصبح العالم بعافية، ونبل القيم، يصبح العالم مبللاً بندف الفرح، يصبح العالم وردة برية تداعبها نسائم الشعر، فتغزل قماشة صباحاتها من حرير الرفاهية الإبداعية، وتنتمي إلى الوجود، تنتمي إلى (العيون التي في طرفها حور) وإلى المدامع في طورها البهيج.
الشعر بما جادت به النبطية، الفصحى، هو ذلك السحر المنمق بنغمات الموسيقى شقية، ندية، عبقة، لبقة، نشعر في رياحينها بهجة البقاء من أجل حياة، سمتها الشفافية والشفاء من عبث اللعب بالأفكار. 
في الشعر تبدو الأمكنة مثل خيال عفوي، يحث خطاه على الأرض بطفولية تفيض ببداهة البوح، وسماحة الصدح، وفي الشعر نلمس بداية تكون أجنة الفرح في قلوبنا، نشعر بأننا نولد من جديد، ومن جديد ترتدي مشاعرنا السندس والإستبرق، ونرفع رؤوسنا فنرى السماء الزرقاء بمعطف الرفاهية، ونرى العشب القشيب، يمارس لعبة السرد، بمفهوم نزار قباني، وسواه ممن تعاملوا مع اللغة كما تفعل النقرات على قمح الحياة، وكما تفعل النجوم في نسجها معاطف الليل.
في حضرة الشعر، ينمو في داخل كل منّا شيء يزعجه، شيء يحرك مروحة الأحلام، ويمضى باتجاه العقل الباطن، فيقول له هيا بنا نرسم صورة العالم كما هي وليس كما عبث بها العالم، دعنا نمضِ في رسم اللوحة، دعنا نُحلق، ونطلق للغة الضاد أجنحة من مفردات لا تقيّد معاصمها لا بالقديم ولا بالجديد، بل بوعي الشعراء بأهمية أن يكون الشعر، كائناً ينمو، ويكبر، ومعه تكبر القيم الشعرية، وتكبر الذائقة، تكبر كل حلقات الشعر منذ (المتنبي وحتى المتنبي) وفي كلتا الحالتين يكون الشعر نبوءة، ويكون رؤية، ويكون مضغة في صدر الشاعر، ويكون البريق في عيني المشاهد. 
الشعر ينهض في أبوظبي كما تنهض الأشجار، كما تنهض الديار بمعالم، وعوالم، وأشياء أُخر، لها في القلب منازل وفي العيون دهشة، ورعشة، ورمش عين يحرك الكوامن، ولجين يغني من اللهب. 
الله، كم هذا الوطن، في حلّه وحلله، في جلاله وجُله، في مقاله وفله، مزدهر برونق البلاغة، ونبوغ الشعراء، مزدهر بفصاحة البوح، وحصافة المعطى، يغنيك عن قراءة كتاب العالم، عندما تجد كتابه مفتوحاً على العالم بقصائد كأنها الصدح عند هامات النجوم، كأنها الفتح المبين، كأنها راية على وجنة ولجين، وكأني في محضر الكلمات، نقطة عند ثغر. نكتب عن الشعر وكأننا نكتب عن الخلق الأول، كأننا نكتب عن نشوء العالم ورقيّه، وهذه السواري مرفوعة إلى السماء مكتوب عليها، بأن الشعر يولد اليوم في أبوظبي، وأن الأوفياء عاكفون على إيصال الرسالة وفاءً وحباً للوطن، للشعر، للناس أجمعين.