في البدء، لم تكن الآلة سوى يدٍ أطول لدى الإنسان الذي بدأ يفكر، ويسخِّر أدوات الطبيعة من أجل تحقيق منفعته، إنها مجرد عضلة من حديد أو خشب لخدمة الجودة والسرعة والإتقان. كانت المطرقة تضاعف قوة اليد مئة مرة، وكانت المطبعة تنوب عن الخطاط، لكنها لا ترتقي إلى مستوى إبداعه وتفكيره.
عبر قرونٍ طويلة، ظلّت مهام التفكير والتفلسف والإبداع خالصة للعقل البشري، الإنسان يفكر والآلة تدور وتنفذ، لكن ذلك كله تغير عندما حلم الإنسان بآلة تفكر وتعمل بالنيابة عنه. وفي منتصف القرن الماضي طرح عالم المنطق والرياضيات البريطاني «آلان تورينغ» مجموعة أفكار حول إمكانية وجود آلات تفكر، ولذلك اعتبره كثيرون أحد المؤسسين الحقيقيين لعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. وباختصار، اقترح هذا العالم أن التفكير مجرد نمط من المعالجات، وأن هناك إمكانية لوجود آلات تحاكي هذا النمط.
هكذا بدأت الحكاية، وكانت الآلات تجيب لكنها لا تفهم، ومعظم استنتاجاتها ميكانيكية، لكن هذا لم يدم طويلاً، إذ وصلنا اليوم إلى عصر «فلسفة الآلات» التي تتصل ببعضها بشبكات عصبية، وهي قادرة على التعلم السريع وقراءة اللغة، وإعادة صياغة النصوص الأدبية والرسم، وحتى تحليل المواقف الأخلاقية، ووضع التصورات المثالية للمجتمعات المدنية.
يمكن للآلات المتفلسفة أن تضع تصورات جديدة في المعرفة والوجود، وأن تحلل أفكار الموت والحياة ومعنى الفناء، كل ذلك يتم عبر منظومة من المعالجات المعرفية المعقدة، إنها لا تعيش خبرة الحياة، وإنما تقوم بإعادة ترتيب الرموز والكلمات وتوليد الأفكار من جديد.
هل أصبحت الآلات مرآة للفلسفة الإنسانية، وصار بإمكانها إعادة ترتيب أنماط التفكير الإنساني بطريقة غير مطروقة من قبل؟ وإن حدث ذلك، هل ننظر إليها كشريك في هذا التحول الأنطولوجي؟ وفي المستقبل القريب، هل يمكن أن نسلّم للآلة زمام تفكيرنا، ونجلس سعداء في الخواء والفراغ الخاليين من ثقل الأسئلة التي عذبت الإنسان منذ الخليقة حتى اليوم؟
هكذا من جديد نقف أمام أسئلة أخرى جديدة، لكنها أكثر رعباً، إذ إننا نوشك فعلاً أن نكون مجرد زيادة لا فائدة منها، وربما تنظر إلينا الآلات بأننا عالة على مجتمعاتها المستقبلية وتذهب للتخلص منا. فهل نملك زمامها من الآن أم نتركها هكذا في انفلاتها حرة ولتفعل ما تشاء؟


