حين يُذكر اسم «مصفح» يتبادر إلى الذهن فوراً نبض الصناعة وحركة الشاحنات التي لا تهدأ. فهي القلب الصناعي والتجاري لأبوظبي، ومحرك رئيس لعجلة الاقتصاد. واليوم، تقف المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة، مع إعلان دائرة البلديات والنقل بدء دراسة مشروع تطوير شامل يعيد رسم ملامحها ويعزز مكانتها كوجهة استثمارية حيوية ومستدامة.
المرحلة الأولى تركز على الواجهة البحرية، حيث تخطط الدائرة لتهيئة مساحات خضراء واسعة ومرافق عامة حديثة تعكس طابعاً حضرياً معاصراً، مع الحفاظ على الهوية الرمزية للمنطقة. إنها معادلة دقيقة: تحديث من دون اقتلاع، وتطوير من دون فقدان الروح التي صنعت اسم مصفح.
ولا يتوقف التطوير عند الجانب الجمالي، بل يمتد إلى صلب البنية التحتية والخدمات الأساسية. فقد بدأت أعمال التخطيط لتحسينات على طريق مصفح-العين (E30) وشارع 8، بهدف تعزيز انسيابية الحركة وتسهيل نقل البضائع. كما تكثفت الحملات التفتيشية والتوعوية لضبط المخالفات، ومعالجة التشوهات البصرية والبيئية، بما يرفع مستوى النظافة والصحة والسلامة العامة.
هذه الخطوات تأتي امتداداً لحزمة مشاريع استراتيجية أُعلن عنها سابقاً بتكلفة تتجاوز 3 مليارات درهم، تستهدف تحسين السلامة المرورية، وتعزيز الربط بين مناطق الإمارة ومناطقها الاقتصادية، وتقليل الازدحام عبر حلول مستدامة. ومن أبرزها مشروع طريق الجزر بطول 25 كيلومتراً، الذي يربط البر الرئيس بجزيرة أبوظبي بطاقة استيعابية كبيرة، تخفف الضغط عن المحاور الحالية.
أما مشروع التحسينات المرورية على طريق E30، فيحمل آمالاً كبيرة لسكان ورواد المنطقة، خاصة خلال ساعات الذروة التي تتكدس فيها الشاحنات والحافلات في مشهد يومي مألوف. إزالة التداخلات، وتطوير التقاطعات، وبناء جسور جديدة، كلها خطوات طال انتظارها لوضع حد لمعاناة المتجهين إلى «الصناعية» أو المغادرين منها.
الطموح واضح: تحويل مصفح إلى نموذج عالمي للمناطق الاقتصادية، ببنية تحتية ذكية، وتصميم حضري متطور، وبيئة عمل وسكن متكاملة. لكن بين الإعلان والإنجاز مساحة من الصبر والعمل المشترك. وحتى تكتمل الصورة، يبقى الرهان على سرعة التنفيذ، وحلول مرحلية ذكية تخفف المعاناة اليومية.
ويبقى العنصر الأهم في معادلة التطوير هو الإنسان، فنجاح أي مشروع لا يُقاس بحجم الإنفاق فقط، بل بمدى انعكاسه على راحة السكان والعاملين، وسهولة تنقلهم، وتحسين بيئة أعمالهم. عندها فقط تصبح مصفح نموذجاً تنموياً متكاملاً لا مجرد ورشة تطوير مفتوحة.
مصفح اليوم ليست مجرد منطقة صناعية، بل مشروع تحول حضري متكامل. ومع التعاون والالتزام، ستتحول إلى قصة نجاح جديدة تُضاف إلى سجل أبوظبي التنموي.


