مع اقتراب شهر رمضان المبارك تتكرر المشاهد ذاتها في أسواقنا: عربات ممتلئة فوق الحاجة، وقوائم مشتريات تتجاوز الضرورة، وحمى تسوق ترفع الطلب فتدفع الأسعار إلى الصعود وفق قانون العرض والطلب. وبين هذا وذاك يغيب عن بعضهم أن رمضان شهر عبادة وترشيد، لا موسم إسراف وتكديس. فجوهر الشهر الكريم قائم على الاعتدال وصون النعمة، وهي قيم أكدتها تعاليم ديننا الحنيف وشددت عليها قيادتنا الرشيدة في أكثر من مناسبة.
لكن مسؤولية ضبط السوق لا تقع على المستهلك وحده، بل هي شراكة متكاملة بين الفرد والجهات التنظيمية. ومن هنا تبرز أهمية الاجتماع الأول للجنة العليا لحماية المستهلك لعام 2026، الذي عكس حرص الدولة على تعزيز بيئة استهلاكية عادلة ومستقرة، خصوصاً مع حلول موسم يشهد ذروة في الطلب.
الأرقام تعكس جدية العمل الرقابي، فقد شهد عام 2025 تنفيذ أكثر من 155 ألف جولة تفتيشية في أسواق الدولة، أسفرت عن آلاف المخالفات، فيما جرى التعامل مع غالبية الشكاوى بكفاءة عالية، إلى جانب توفير مئات الآلاف من السلع حفاظاً على سلامة المستهلكين. كما أرست الدولة سياسة وطنية متكاملة لتسعير السلع الأساسية، ومنعت أي زيادات غير مبررة من دون موافقة مسبقة، في خطوة تعزز الشفافية وتحمي القوة الشرائية للأسر.
ومع اقتراب رمضان، اعتمدت اللجنة خطة رقابية مكثفة تشمل مئات الجولات التفتيشية، واجتماعات مع كبار الموردين لضمان وفرة السلع، ومراقبة العروض الرمضانية منعاً لأي تلاعب، فضلاً عن حملات توعوية لنشر ثقافة استهلاكية مسؤولة. إنها رسالة واضحة بأن استقرار الأسواق خط أحمر، وأن حماية المستهلك أولوية وطنية ضمن مستهدفات «نحن الإمارات 2031».
غير أن أعظم أشكال الحماية تبدأ من داخل المنزل، فحين يشتري الفرد بقدر حاجته، ويخطط لاستهلاكه، ويتجنب الانسياق وراء العروض البراقة، فإنه يسهم في استقرار السوق كما يسهم في حفظ النعمة. رمضان فرصة لمراجعة سلوكنا الاستهلاكي بقدر ما هو فرصة لمراجعة سلوكنا الروحي.
بين رقابة واعية ومستهلك مسؤول، يمكن لأسواقنا أن تعكس حقيقة الشهر الكريم: اعتدال في الإنفاق، وعدالة في التسعير، وتكافل يعم الجميع.
كما أن دعم المبادرات المجتمعية لتوزيع الفائض من الطعام وتعزيز ثقافة التخطيط المسبق للشراء يسهمان في تقليل الهدر وترسيخ قيم التكافل، فالاستهلاك الواعي لا يحمي ميزانية الأسرة فحسب، بل يعزز استدامة الموارد ويجسد المعنى الحقيقي للصيام.


