في رمضان سباق، وحوار استفزازي بين الصغار، وتسمع كلمات كأنها رنين الأواني في المطبخ، وعندما تلتفت ترى أمامك طفلاً في سن الخامسة، وآخر في نفس العمر، أو أكبر بشهور، وتسمع الحوار الساخن، وكل يعبر عن شجبه لانتقاد الآخر لتصرفه في لحظة ما، وقد استل قنينة الماء من الثلاجة، ودلق جرعات باردة في جوفه، في صمت وأدب، ثم اعتدل وجاء إلى الطفل الآخر، وقال له، هل صمت اليوم، فقد رأيتك بالأمس تأكل أندومي الذي أعدته لك الخادمة، فيضحك الطفل، ويقول أتريد أن تتهمني لتبرر لنفسك ما فعلته قبل قليل، وتظن أن لا أحد رآك؟ يشتد وطيس المعركة بين الصغيرين، ويحمى تنور الأعصاب ويصير كل يقلب عينيه في وجه الآخر، وكل يبحث عن لغته التي غاصت في بئر الحجج، والتي لن تشفع إذا لم يصدق الاثنان.
لم تساعدهما اللغة على الدفاع عن نفسيهما، فاضطرا إلى استخدام سلاح اليدين، اشتبك الصغيران، تعاركا، وطار الصراخ مثل فقاعات على سطح الوجود، وانتبه أحد الكبار، وهب في نجدة الطرف المهزوم، وانتزعه من بين يدي الطرف الباطش، وصار يعلق على تصرفهما بأنه تصرف يحتاج إلى عقاب، حتى لا تتكرر هذه الصراعات الغوغائية، لم يفهم الصغيران بعض المفردات، ولكن عيون (الكبير) أوصلت الرسالة، عبر حملقة شديدة الوطأة.
عند الإفطار تباعد الصغيران، ولم ينظر أحدهما للآخر، قد أضمر كل منهما الحنق، ولم تُجدِ محاولات الكبير في إعادة المياه إلى مجاريها، لأن الجروح لم تزل طرية، لأن اللوم على الإفطار تجريح في حد ذاته في زمن ما مر ولن يعود، ولأن ما حدث ليس شجاراً عادياً من أجل قلم رصاص احتاجه أحدهما من الآخر، ولم يعره إياه، فالصراع دار حول ما يخص الذات، صراع ألبه ضمير، كان حاداً في مسألة الالتزام بصوم رمضان حتى ولو في سن مبكرة.
المساس بمثل هذه الخصوصيات كان خطأ لا يغتفر، وقد تكون الروح مثخنة، وعميقة، ولكن لحسن الحظ استطاع الكبير أن يفك اشتباك الأيدي وينهي العراك، ولكنه لم يتمكن من تبريد الحرارة التي نشبت بين الضلوع، قد تدخل غيره من الكبار كي ينهي هذه التراجيديا الرمضانية، ولكن لا جدوى، لأن الاعتداء على الضمير، والمساس بأدق التفاصيل، والتي تعبر عن مستوى الإيمان، هذه مسألة مرفوضة، في عرف الصغار أو الكبار، والذي يفطر خفية، يمرر الكبوة بمبررات تقنعه، على أقل تقدير، وإن لم تقنعه، فيشعر بالنصر لأنه لم يلمحه أحد، وهذا يكفي.
هكذا كان الشعور في رمضان الأمس، وهكذا كانت الذات الفردية، تسوم الروح رخيصة، ولا تفشي أسرار ما يخص شعائرها الدينية. هكذا كان الأمس مشرقاً بقيم، قد تبدو اليوم باهتة، ولكنها صامدة، في ضمائر الصغار الذين كبروا، ولامست شواربهم شفاههم.


