كان تحت ضوء القمر، وبين زقاق مخملي من طين الأرض، وكان بلون الموجة، يفيض ببياض مشع، وكان الصغار بعد صلاة التراويح يأتلفون في فريقين، تجمعهم فرحة ما بعد الإفطار، وعظمة الليل وهو يسكن تحت عباءة رمادية شق سوادَها نورُ القمر الوضّاء. الأصوات ترتفع مثل زقزقة العصافير داخل الأعشاش، وصياح يشبه البكاء بأصوات منزعجة من تجاوزات أو أخطاء تحدث أثناء الاستعداد لبدء السباق المحموم بعصبيات جاهلية، تسبح تحت وابل العرق الصيفي، حتى تبدو الجباه مثل مرايا صغيرة، تعكس ضوء القمر بمهارة فطرية. تنتظم الحلقات مع استمرار الليل في مغازلة القمر، ومع اندماج الصبية في لعبة تبدو عنيفة في بعض الأحيان، عندما يشعر أحد الجسورين بالخسارة، فكان لا بد من أن يستخدم الذراع لانتزاع ما لا يحق له انتزاعه، وبالقوة أحياناً، أشياء كثيرة يتم استلابها، ولكنها بطبيعة الحال لا ينتج عنها غير احتقانات، تتطور إلى صراعات، ثم قطرات من الدم قد تسيل من جبين هذا أو من يد الآخر، ولكن تبقى القريحة مثل صفحة القمر في عز تكوينه، قريحة بيضاء، في اليوم التالي تستعيد العلاقة بين المتصارعين براءتها.
اليوم ربما تحتفظ الذاكرة بالصورة، وتبدو مثيرة للجدل العاطفي، تبدو مُكلفة جداً لوجدان إنسان عاش تلك المرحلة، بحلوها، ومرها، واليوم يقف على الأطلال، ناعياً وقتاً مضى، شاحباً، وقتاً اقتحم جدار مشاعر كانت أرق من الوردة، ولم يبقَ من الصورة سوى أوراق صفراء تمزقت أطرافها وصارت مثل عجينة بائتة. 
زمن مرّ، ومعه مرّت صور، علقت في الذاكرة، ولكنها سرعان ما تزول، لأن طوفان العصر، جارف، وعاصف، وناسف، ولا شيء يصمد أمام زمن يطير بسرعة المركبات الفضائية، ويخطف الأنظار عندما ترى ما يصنعه هذا الزمن، بعقول فقدت صوابها، فتجد الكبار، والصغار، ولمجرد انتهاء فترة الإفطار، تراهم عاكفين على الهواتف كمن يتلون قصائد عصماء، ولا تعلم أنت المذهول ماذا يحدث بجوارك، ولو حدث لا قدر الله أن أنفجر أنبوب غاز في مطبخ المنزل، فلن يشعر به أحد، لأن حقنة التخدير قوية، وتملكت الألباب، وإن المشاهد التي تدور على الشاشات الصغيرة، مثيرة للأعصاب، إلى درجة أنك لو حاولت لفت انتباه أحدهم، قد يريك العين الحمراء.
مسألة في غاية الخطورة، تتحقق أمام عيني زيغموند باومان، الفيلسوف الذي طاب له الحديث عن الحياة السائلة، ولكنه لم يعلم بأن هذه الحياة التي تحدَّث عنها، هي حياة تمر بظروف قاسية، والأطفال والكبار، وأحياناً تجد الأب والأم، وطفلهما الصغير، جميعهم لاهون فيما يستحق كل هذا الاهتمام، فقط لأن الناس أدركوا أن خير وسيلة للهروب من المسؤوليات الجادة، هي التفريط في الوقت، وجعله مثل بالون، نتركه يحلّق فوق رؤوسنا، حتى يصطدم بآلة حادة، وينفجر، وإنْ ظل عالقاً في السقف إلى اليوم التالي، فنجده قد فسد، وأصبح مجرد جسم مريض.