في ملعب الأنفيلد الذي لا يُترك فيه الريدز يمشي في العتمات وحيداً، حيث تختلط هيبة التاريخ بصخب الجماهير، وحيث تُصنع الليالي الأوروبية الكبرى، كتب باريس سان جيرمان البطل، فصلاً جديداً من مجده القاري، مؤكداً أنه لم يَعُد ذلك الفريق الذي تلاحقه الشكوك، بل أصبح بطلاً يعرف كيف ينتصر، حتى في أصعب بل وأحلك الظروف.
لم تكن مواجهة الريدز في إياب الدور ربع النهائي لأمجد الكؤوس الأوروبية سهلة، برغم أن الباريسيين نثروا في حديقتهم خلال جولة الذهاب عبقاً ساحراً، فهذا ليفربول، ما دخل مباراة على أرضه، إلا وكان السعار قوياً والروح القتالية عالية، غير أن ذلك كله لم يكن كافياً لزعزعة توازن الفريق الباريسي، الذي بدا أقل بريقاً من مباراة الذهاب، لكنه أكثر نضجاً وواقعية.
منذ أن تقلّد الإسباني لويس إنريكي زمام العارضة الفنية، تغيّر وجه باريس. لم يَعُد الفريق يكتفي بالاستعراض، بل تعلّم كيف يعاني ولا يستسلم، وكيف ينتصر حتى وهو يتعذب؟ ووسط هذا التحول، برز نجم الكرة الذهبية عثمان ديمبيلي كقائد فعلي داخل المستطيل الأخضر، لاعب لا يكتفي بصناعة الفارق، بل يحسم المباريات، يأتي بالبدر في الليلة الظلماء.
حاول ليفربول بكل ما يملك من جسارة، أن يفتح ثغرة في الجدار الباريسي. ضغط، استحوذ، وخلق فرصاً، خاصة عبر تحركات محمد صلاح ومحاولات ريان جرافينبيرخ، لكن اللمسة الأخيرة ظلت غائبة، وكأن الحظ أدار ظهره لأصحاب القلعة. حتى الفرص التي بدت محققة، وجدت في دفاع باريس ورجاله، وعلى رأسهم ماركينيوس سداً منيعاً.
وفي كرة القدم، حين تضيع الفرص.. يأتي العقاب.
هكذا كان المشهد، حين انطلق ديمبيلي كوميض برق، مستغلاً هجمة مرتدة قادها برادلي باركولا، ليُطلق تسديدة لا تُرد، معلناً الهدف الأول. هدف أسكت المدرجات، وأطفأ شرارة الأمل لدى «الريدز».
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، حيث بدا أن الجدار أصبح عالياً على الريدز، عاد باريس ليضرب مجدداً، بنفس الثنائية المدمرة: باركولا يمرّر، وديمبيلي ينهي الهجمة.. لقطة تُدرّس، هدف ثانٍ، كان آخر بوح لمباراة كُتبت بعطر باريس وأريج الحديقة وضوء البرج الذي يشهد بأن هذا الباريس، يعرف كيف يقتل المباريات في لحظاتها الحاسمة.
انتهت الليلة الماطرة، بانتصار باريسي مستحق (0-2)، وتأهل جديد إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، يقرّب أمراء الحديقة من الاحتفاظ بتاجهم الأوروبي، لكن الأهم من ذلك، أنها أكدت حقيقة واحدة، حقيقة أن باريس سان جيرمان لم يَعُد مجرد فريق يبحث عن المجد، بل أصبح فريقاً يخيف أوروبا، فريق يستطيع أن يفعل بالأنفيلد، ما لا يقدر عليه الكثيرون، أن يطفئ لظاه وأن يخمد صخبه.
إنه زمن باريس.. وزمن ديمبيلي.


