لم يكن الليل كما هو ليل أبنائنا، كان الليل سمحاً، ثرياً بأحلام الطفولة، غنياً بجمال الروائح العطرة التي تنفثها مطابخ الأمهات، فكان الصغار ينامون بعد قضاء أوقات ما بعد الفطور في لهو ولعب، فينامون على موعد من الأمهات لسحور ما بعد الساعة الرابعة قبل الفجر، كانت تلك لحظات دراماتيكية عندما يطرق الأسماع رجل بجمال المساء الرمضاني، ويظل يعزف قيثارة الساعات الأخيرة من الليل، ليصحو النائم، ويستعد لطعام أعدته سيدة المقام الرفيع، طعام يفوح منه عطر الكفين الناعمين، طعام له رونق المرأة التي سبقت الجميع وجمعت طاقتها ولبثت تتفنن في طهو وأحياناً تسخين ما فاض من طعام الإفطار، ولكنه في جميع الحالات يكون لنفسها باقة ورد تعزف على وجدان الذين تجاسروا، وفتحوا العيون غصباً لكي لا يخسروا طاقة نهار كامل، لا مجال فيه لتناول ما يبلل الريق ويعيد للجسد حرارته.
وبعد السحور، تبدأ محاولات مقاومة النوم والإصرار على الجهاد من أجل أداء صلاة الفجر مع الرجل المقوس الظهر، وتتبع خطواته إلى المسجد، وأحياناً الصغار الذين يلتحقون بالكبير، يتعمدون رفع الأصوات، للاطمئنان على أنه علم بوجودهم، وسوف تكون كلمات الثناء تستقبلهم عند العودة إلى البيت، وهناك، حيث مخدع الصغار، وعند العودة تبدأ محاولات النزاع على المكان، فلا خصوصية في ذلك الزمن لأحد، فالكل يصارع الكل من أجل مخدع لا يطل على شقوق الأبواب، والتي تنبعث منها أشعة الشمس، والتي تكون سبباً لهروب النوم، وعلى إثره تخون النفس الجسد، ولا تلبي له حاجته، في التلصص، واقتناص لقمة ربما تكون عالقة في طبق سابق.
ما هذا، كل الأشياء تبدو في ذلك الزمن سائلة، كل الأشياء تبدو مفتوحة على المدى، ولا أبواب مغلقة، ولا هواتف محمولة بالأيدي ولا فراق إلا في لحظات النوم طويلة الأمد. كل الأشياء صغيرة، البيوت، والغرف، والأواني والفرش، والبسط، وحتى أحلام الصغار لم تكن تتجاوز تذكر مواعيد اللعب مع الرفاق بين الأزقة ولا شيء، الأبواب، أبواب الغرف، إن كانت هناك غرف، مفتوحة، ولا غلق، ولا سرية، ولذلك كان الصغار يفرحون بصوت الطبل، وهو يرن خلف الجدران، كان بعضهم يثب من الفراش مثل الأرنب المذعور، ويخرج من البيت، ليتبع خطا المسحراتي، كانت لحظات رومانسية إذ يسمع هذا الصغير عزف اليد السمراء على جلد حيوان، ربما كان قبل يوم، أو شهر يعيش ويقتات من بقايا ما تطعمه به النساء الغارقات في حب هذه الكائنات.
ربما كان الصغار يتخيلون هذا المشهد، فيتناغمون مع الصوت والصورة، صورة الحيوان الذي صار طبلاً، والمسحراتي هو الوحيد الذي لا يرف له جفن، لأنه يفهم أن الحياة هي هكذا، حلقات من الدورات الغذائية، الحياة مسألة حبل مشدود، بين فرحة الإنشاد الليلي، ودمعة الفقدان لكائن آخر.


