الإمارات تبدو اليوم زاهيةً أكثر من ذي قبل، لأنَّ في التجارب دروساً، وفي المواقف عبراً، وفي اللحظات الحاسمة مواعظَ، وها هما المواطن والمقيم، ذراعان لجسد واحد، ها هما يذهبان بالحياة نحو المزيد من التلاحم، والمزيد من العرفان لوطن أعطى، ولم يبخل، وفاضت جعبتُه سخاءً، وأصبح الإنسان في الإمارات فراشةً تحمل جمالَ روحها، وتحوم حول زهرات الحياة، ريانةً بالبهجة، مستمرةً في البحث عن مواطن الإبداع في كلِّ مواقع الحياة، وماذا ينفع الحاقد عندما تصبح محاولاته في بث الرعب، مثل ألعاب نارية، يفسدها سوء النيات، وموت الضمير؟! نقول للعصبي المأفون: لا تحاول، فالإمارات بلد استثنائي، لأن قيادته تتمتع بإرادة استثنائية، ولأنه دولة مختلفة في سجاياها، وطبائع أهلها، وأحلام الإنسان الذي يمشي على أرضها.
ليلة الأمس كنتُ في زيارة لأحد المحال التجارية الكبرى، وشاهدت المكان حافلاً بالوجوه المبتسمة، والنفوس المطمئنة، شاهدت الود سحابات ممطرةً تكسو الوجوه، وعلامات النصر على الكراهية، كأجنحة سحرية تداعب رموش الناس الأوفياء، كل ذلك يحدث والعالم يواجه عدواناً أخلاقياً لا مثيلَ له، ويضرب بقوة أرواحاً شريرة بُنيت على الهدم والتدمير، ولم تعِ أبداً، ولم تستفد من دروس التاريخ، وأن الحق دائماً هو المنتصر، وهو الكبير المتجذّر، ولا جدوى من الأكاذيب، وتصويرها وكأنها حقائق، لأن كتاب التاريخ سيظل مفتوحاً إلى الأبد، وسوف تتلوه الأجيال، وتحفظ دروسه، إلا العميان والصم، هؤلاء سوف يستمرون في غيّهم، سادرين غائبين عن الوعي، هائمين في غابات الهمجية، والوحشية، إلى أن تنقطع جذورهم، وتموت خلاياهم، وتنتهي إلى زوال.
كان المحل التجاري العملاق ملعباً فسيحاً تتبارى فيه الابتسامات بلعبة الفرح، وكان الناس في حفلة عرس إماراتي، مطلعُه هذا الجمع الغفير من البشر الذين يمارسون حياتهم بعفوية، ولا حدود للفرح، في مثل هذه اللحظات والمواقف يتوقف الإنسان مبتهلاً إلى الله تعالى شاكراً، حامداً لجزيل عطائه، وأول العطاء قيادة حكيمة تتحكم في الأحداث ولا تدعها تتحكم في المصير، وتسيِّر الملمات إلى حيث النهايات القصوى، فتنتهي، وتتلاشى، وتزول ويبقى الوطن شامخاً، راسخاً، نشوان بهذه الحياة المفتوحة على المدى، مثل ما هي شجرة النخل، ويبقى المواطن في هذا الحقل الزاهي، يقطف من ثمرات السعادة، مبدعاً، مترعاً بعذب الحياة، فضيلة قيادة تسهر لتنام الأعين قريرة هانئة. في هذا المحل العملاق، تسمع صوت الضحكات، فتحرك فيك مشاعر الفخر لأن وطنك في الملاحم التاريخية يكبر أكثر، وتشمخ قامته، مثلما هو البحر، كلما علا موجُه امتد باتجاه المدى مداً سخياً.
في هذه المحال التجارية، كنت أجول، والصورة أمامي مثل حلم ليلة قصت فيها النجوم طربانة، بما جادت به السماء من سكينة، وجمال هيئة، وروعة بناء أخلاقي وقيميِّ. في هذا المشهد، تعرف تماماً أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الصفراء، بل هي تزدهر بقيم الحياة النبيلة، وأخلاق رعاة الخير، والودّ، والسدّ، وحُسن إدارة الأحداث الجسام.


