مدينة الرفاع الشرقي في البحرين كانت مدينتي الصغيرة التي أمضيتُ فيها سنين الصبا والشباب. كانت هي المدينة التي تناثرت منازلها الطينية البسيطة على ظهر هضبة وطيئة، ينحدر طرفان منها إلى بئر (الحنينية)، حيث كان السقّاء يسحب الماء من البئر ويوزّعه بين البيوت. ويمتدُّ طرف نحو مدينة المنامة والطرف الآخر نحو جزيرة سترة. الشوارع ذاتها صارت تشبه الشرايين في جسد الذاكرة. بيتنا القديم لم يَعُد بيتنا ولم يَعُد القلب يرفّ لمشهد الباب إذ نلمحه من البعيد. الساحة أمام البيت، التي كنت أرقب ولدي صغيراً يلعب مع رفاقه في ترابها من وراء نافذة غرفتي هي.. هي وإن صغرت قليلاً. بعد ما بُني في أحد زواياها بيت على طراز وسط بين الحديث والقديم. كما لو أن مدينة الرفاع لا تريد لأبنائها أن يشطّوا في غربة البناء. وصار بين الشارع العام وبيتنا بيت واحد يقع على الصف ذاته. الشارع الذي كنت أطرقه بأقدام الطفولة والصبا والشباب، متنقلة بين المدرسة الابتدائية، ثم إلى الوظيفة حين صرت معلِّمة في المدرسة الابتدائية، بعد تخرجي في الثانوية. وكانت الحياة والجيران والأصدقاء يتنقلون بين الفرح حيناً وبين الحزن والصمت والضجة والعويل حيناً آخر. الشارع كان بسيطاً حيياً، لا ضجة فيه ولا زيف ولا صخب. ولا يقوم على جانبيه سوى بقالة (أحمد الهندي) الذي عاش في مدينة الرفاع الشرقي واطمأن إليها. وصار الجيران له أهلاً يتذكرونه في المناسبات والأعياد بفيض الخير. وحتى بلا أية حاجة إلى مناسبة، يفيضون عليه بالمحبة والاحترام والرعاية. وها أنا أتذكره حين كنت أراه عابراً الطريق إلى الجهة أخرى، شائخاً وعلى وجهه تلوح علامات القلق من غول التنافس بينه وبين المتاجر التي تعلو قامته التجارية البسيطة. وعلى الجانب الآخر يقوم دكان الخبّاز الذي جاء من مدينته شاباً صغيراً ولم ينس صنعة الخبز الطازج اللذيذ الذي يلبّي به حاجة البيوت وينشر رائحته اللذيذة وقت الغروب، حيث يصطف الأطفال ويصخبون منادين كلٌّ بحجم صوته: خباز.. خباز أعطني خبز بروبية، خباز أعطني خبز بنصف روبية، وهو يكرّر دون ملل (سبر بابا.. سبر بابا.. خبز في التنور بئد..) كان اسمه محمد، ولعله نسي اسمه أيضاً ولم يَعُد يُعرف إلا بالخباز، أليس الرغيف لب الحياة ومحور الغايات؟ ألم يحرِّك الشعوب لتنهض من كبواتها ويُدير دفّة الحروب لتسقط في الخراب؟


