لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري حين اصطحبني والدي إلى افتتاح كأس الخليج في أبوظبي عام 1982. كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها ذلك الكم الكبير من الناس الذين يتجمعون في مكان واحد. استرجعت ذلك كثيراً فيما بعد، لأني كنت مذهولة بكل شيء. وأكثر ما علق في وجداني، لم يكن الاستعراض الجميل الذي صاغه طلاب المدارس ولا الهدف الذي حققه منتخبنا في شباك المنتخب القطري، إنما حماس والدي ذلك الرجل الذي اعتدت أن أراه وقوراً قليل الانفعال، لقد انتزعت اللعبة عنه هدوءه، فكان يصيح مشجعاً ويضحك ملء قلبه كلما تصدى حارس مرمى منتخبنا لهجمة على مرماه! ما زلت أذكر الاسم الذي كان يردده: (صلبوخ) كفوو والله.
أذكر تماماً زهو والدي -رحمه الله- بالفوز المتحقق، كان يتحدث طوال طريق العودة عن الهدف، وكأنه هو الذي صنعه لا النجم فهد خميس! وقتها اكتشفت أن المدرجات تغير شيئاً في نفوس الناس!
منذ ذلك اليوم انجذبت لكرة القدم، ليس للعبة نفسها، إنما لتلك القصص التي تنبت على هامش الملعب، لا فوق العشب. وعندما سنحت لي الفرصة، حرصت أكثر من مرة على مرافقة القسم الرياضي في صحيفة الاتحاد لتغطية البطولات التي تقام في أبوظبي، فانشغلت بالبعد الاجتماعي الإنساني الذي تصنعه هذه اللعبة. كنت أبحث عن لحظات لا تظهر في لوحة النتيجة، ومشاعر لا ترصدها الإحصاءات.
ربما كرة القدم ليست أعظم حكاية يرويها البشر، لكنها أكبر منبع للقصص. وفي كأس العالم نعيش مئات الحكايات في وقت واحد، لاعب خرج من قرية صغيرة ليواجه العالم، ومدرب يطارد ماضيه، ومشجع باع أغلى ما يملك ليحضر مباراة العمر، ودولة يعرفها العالم لأول مرة، وشركات تزدهر بسبب فرص تمنحها البطولة، وبين كل تلك القصص، تبقى المباريات هي الخيط الجامع.
ما يباع في هذه البطولات ليست اللعبة، بل المعنى الذي يحيط بها. قميص اللاعبين أكبر من قطعة قماش، إنه هوية يلتف حولها شعب. والتذكرة أعمق من مقعد في مدرج، بل ذكرى سيرويها أب لأحفاده بعد عقود. والهدف ليس رقماً يضاف إلى النتيجة، بل لحظة تهز قلب شعب بأكمله. في الملاعب لا نشجع ونهتف فقط، فهناك يبكي الكبار كالصغار، ويصبح الصراخ مقبولاً.
لهذا السبب لم تصبح كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم لأنها الأجمل، بل لأنها مازالت قادرة على إقناع ملايين البشر بأن قصة لا تخصهم شخصياً.. هي قصتهم الحقيقية.