لأن الحياة تعتبر رحلة مدهشة وفريدة للإنسان، وتمتد عبر زمنه المعاش، لكن بالتأكيد لها صلة ومعنى ما قبل الولادة، وما بعد الموت، من خلال ذلك الشريط الزمني يسعى الإنسان فيه لتحقيق أهدافه ومعانيه وأحلامه وأمانيه وأمنياته، وأشياء خاصة يفرح بها، وأشياء عامة يرى عليه واجب أدائها لفهم معنى الوجود والحياة.
عملية التصالح مع الذات تعد من أكثر العمليات تعقيداً في الحياة؛ لأنه من خلالها وفقط يمكن للإنسان أن يستعيد توازنه، ويتمسك بثوابته، ويجد ذلك الأمل البعيد في آخر النفق، ولأنها كذلك تتطلب الوقت والصبر، ولكنها تؤدي في النهاية إلى حياة أكثر سعادة ورضا، وإيماناً واطمئناناً والقبض على السكينة الداخلية، وتلك هي الراحة القصوى للإنسان.
لذا التصالح مع الذات يُعد هو المفتاح الأساسي لفهم الحياة بشكل أعمق فلسفياً ومعرفياً وصولاً إلى النور والإيمان، وبلوغ قيم الخير والحق والجمال، ولا يتأتى ذلك دون أن يتقبل الإنسان نفسه، بعيوبه ومميزاته، وحدود موهبته وقدراته، بعيداً عن فكرة الكمال المطلق لأنه في غير متناول البشر، ولكن بمقدور الإنسان أن يبحث عن الهداية وهذه طريقها صعب، زلق، لكن إن وجدها فعليه أن يتبعها، فيسعى للخير دوماً، وينأى بنفسه عن الشر ما استطاع، هنا تبدأ رؤيته للحياة من منظور مختلف، وواعٍ ومقدرة على السيطرة على كل الأشياء الصغيرة والكبيرة، وهنا أيضاً يظهر معنى التصالح مع الذات، والذي لا يعني الاستسلام، بقدر ما يعني الاعتراف بما الإنسان عليه، والسعي لتحسين نفسه، وتطهير روحه.
إن الإنسان قد يكون نفسه هو سبب تعاسته أو أقلها لا يحيا كما يشتهي، لأنه في كثير من الأوقات يعيش في صراع مع نفسه، يثقلها، فتثقله، يلومها وتلومه، يستصغرها، فتستصغره، الأمر الذي يؤدي إلى الشقاء والقلق والتربص، وحتى الوهن، فتتسلل الحياة من خلل الأصابع، ويذوب الوقت دون أن يدري، لكن من خلال ممارسة التأمل والتفكر والتبصر والتدبر يقدر الإنسان أن يخلق نقاط تقاطع النفس بين العقل والروح والقلب أو الفؤاد، وهنا يمكنه أن يصل إلى حالة من السلام الداخلي، هذا السلام هو الذي يتيح له الاستمتاع باللحظة الحالية، بعيداً عن هموم المستقبل أو آلام الماضي، تلك العملية برمتها هي هداية الإنسان طوال الوقت للوصول إلى الطمأنينة والسكينة.
الحياة مليئة بالتحديات، ولكنها أيضاً مليئة بالفرص، والإنسان عندما يتقبل التغيرات، ويتعلم من التجارب، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الصعوبات، وخلق الفرص، وهنا يكمن جمال الحياة!


