رحلة قطار الاتحاد ذات بدء جميل متوهج وحافل بالرؤى، أيقظت روح الحياة وسرها وبثت وحيّها، رحلة أولى على أرض تتم منجزاتها بهدوء، ذات صباح جميل بمدينة محمد بن زايد، ترى انطلاق أسرة قلوب المسافرين، هناك ذكريات قطارات في بلدان شرقاً وغرباً إلا أن هذه الرحلة تبتسم لقلب الصحراء النابض بحياة متجددة، كأنها تتفتق رؤاها بعد هجر مزمن أقصى دروبها وحبورها وقافية أشعارها وفطنتها وتجليات أفكارها وقيمها.
أبدت رحلة قطار الاتحاد سمات مختلفة ورائعة تختلج الحياة وتقرب بمنظار جميل فتنة تمضي بين معالم قلما تقترب منها متوهجة بصيف يسكنها وجمال تعبرها على بطء بين بقايا برك مائية لم تجف أحسنت سقيها لفطرة الحياة، سكة حديدية قضبانها كأنها تقلب صفحات من أسرار الحياة البرية وتقترن بواصل من مسارات منها حديثة لم تعهد من قبل ومنها سرت وجوه المسافرين.
كم كان قبل سنوات بعيدة وصعبة على الناس أن يستهلوا طريقهم بين أوصال المدينة نفسها وبين مدن متجاورة! وكم كانت كل المسارات لا تحفها الطرقات المعبدة! هيئات تسكن الطرقات بتجدد حديث وهي تتهيأ من وقت إلى آخر وهي تعبر صحراء وطيوف سرابها تنجلي بعيداً أمام عربات القطار في مهده الأول ينطلق أمام تجليات الفجر واحتدام الصيف ورونق الخيال ومساء من فضاء السحر.
تبدو مسافة قصيرة من محطة أبوظبي إلى محطة الفجيرة، يقتضي أن تتهيأ نحو قراءة سريعة، بمرات عديدة ترتشف قهوتك وإذا بك كطائر تحلق في سماء ذات غيوم وتبصر الطريق وقد انتهى؛ عبرت الصحراء وطلاسم وجودها وعبرت الجبال الواقفة في انتظار شاهق ومتوارٍ خلف الصخور.
بدأت قراءة جزء من رواية «صلاة القلق» عنوان جميل بين مرايا صحراء تستعيد روحها، ليس السرد الجميل وحده يخلط أوراق الزمن ويلعق صحو الفكر وحكايات غربة الحياة كأنها لوحات زمنية معلقة على الجدران، بل إن رؤى الحكايات تتجسد تارة في واقع وآخر في خيال روائي نابض، والقطار يجرف وقت يسكنه لا يتخلى عن نحت طريق صخري بسرعة يبطئها لسبب ما نجهله.
مضى وقت الرحلة ولم أستطع إنهاء الرواية التي سكتت عن بوحها عند فصولها الأولى، وغادرنا القطار بعد أن وهبنا ملاءمة جميلة من كل شيء قابل لأن يتسربل نحو الفرح، ولو أنك حملت حقيبة صغيرة في وقت قصير وغادرت لوهلة هذه المرة لم تعانق السماء، بل فصلاً آخر يجسد الحياة ويتمم فصولها سعياً وراء فكرة لا مكان منعزل عن الحياة.


