تتعبني الوداعات، مثلما تتعبني نهايات الأشياء أو خواتيم الأمور، أظل أتفكر في بعض النهايات التي لا يستحقها الإنسان أو المكان أو حتى الأشياء، مثلما شجرة تقرر الموت حين يرحل عنها أهلها ومؤنسو وقتها، تماماً مثلما انتهى كأس العالم بما له وعليه وما خبّأ لنا من مفرحات ومسرات ودموع أحزان، بالأمس بكيناه بحزن مثلما استقبلناه بفرح.
هناك أشخاص وشركات مهنتها الصبر، ولا تتعب من انتظار الربح مهما طال الوقت أو تأخر الزبون، مثل الشركات المتخصصة في تجميع الطائرات المنتهية خدمتها، وإحالتها إلى «السكراب» أو «تكندميها» ولا أدري إن كان ما يسري على السفن يمكن أن يسري على الطائرات، ففي حالة تقاعد أي سفينة يستعمل مصطلح «تكهين»، حيث تودع بوداع أشبه ما يكون بالجنائزي، على العكس حين تدشينها للخدمة بتلك الاحتفائية التي هي أشبه بالعرس، في الوداع يحضر كل العاملين الذين تعاقبوا عليها بملابسهم الرسمية ونياشينهم، ويلقون هم وعائلاتهم عليها نظرة الوداع وسط احتفالية رائعة، وكأنهم يودعون عزيزاً ارتبط بهم، وكان مصدر رزقهم، قبل أن تستقر تلك المدينة الصغيرة التي عرفت بحور العالم كمطعم عائم أو تفكك أجزاؤها كمُسنة هرمة تبرعت بأجزائها للمستفيدين، بما بقي منها صالحاً، أو يُصبّ حديدها ويُصهر، ويُدَور، أو تحترم وتبقى شاهدة على العصر من خلال نافذة متحف بحري في مدينة بعيدة عن العاصمة قليلاً.
لا أعتقد أن الطائرات تعامل بنفس معاملة السفن، فمصير الطائرات عادة محصور: إما تذهب لتلك الشركة التي لا نعرف صاحبها ولا كفيله، ولا مكان إقامته، ولا كيف اهتدى لجني أرباحه من هذه الشركة المسجلة في جزر خلف المحيطات، تهرباً من الضرائب، لتكون مستعدة حين الطلب، حمل إغاثة عاجلة لمنكوبي الزلازل، حمل حجاج في ذروة الموسم، مكافحة الجراد والأوبئة الزراعية، أو تستغل في آخر عمرها لتعمل كمهربة عجوز للمخدرات بين أرخبيل جزر، ودول «كارتيل» الممنوعات أو تتولى تشغيلها بلدان يدقها الفقر والفساد، حيث لا تأمين ولا شروط سلامة، ولا دخل لـ«اياتا» فيها، فالناقص عندهم أخو الزائد، ويمكن أن تشتغل بالكاز إن اضطرتها الظروف، أو يمكن أن يحرث عليها إن سقطت في حقل موحل في أدغال أفريقيا أو الغابات الماطرة في أميركا اللاتينية، يمكن لتلك الطائرات «السكراب» أن تظل تطير بناقصي الأعمار في رحلات داخلية، عادة ما تلقي الصحافة باللوم على نهايتها الكارثية لعطل فني، وضياع الصندوق الأسود، مع العلم أنه لم يبقَ فيها شيء فني ليعطل، وأصلاً هي مصنوعة قبل الصندوق الأسود أو يمكن أن تجد رجالاً طامحين للثراء السريع، فيشغلونها على خط مجهول، بحيث لا يعرف ماذا تحمل في ذهابها وجيئتها، ما أبشع بعض النهايات التي بلا كبرياء، تلك النهايات الودائعية التي تقبض القلب ولا تجعله يشعر بغير الحزن حينها!

