لا تزال مدينة ماليندي الكينية حاضرة في ذاكرتي كلما ذُكرت أشجار القرم. فقبل أكثر من عشرين عاماً، كنت أتابع هناك بدايات تعاون بيئي بين دولة الإمارات، وذلك البلد الأفريقي الصديق المطلّ على المحيط الهندي لاستزراع هذه الأشجار الساحلية. يومها لم يكن الحديث عن الاستدامة أو التغير المناخي يتصدر العناوين كما هو اليوم، لكن الإمارات كانت قد حسمت خيارها منذ زمن، مستندة إلى رؤية الوالد المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي سبق عصره عندما جعل حماية البيئة جزءاً من مشروع بناء الإنسان والدولة.
لهذا لم يكن مستغرباً أن يأتي احتفاء الإمارات باليوم الدولي لأشجار القرم مختلفاً. ففي الوقت الذي اكتفى فيه بعضهم بإحياء المناسبة، قدمت أبوظبي إنجازاً جديداً بإطلاق مرصد رقمي ضمن مبادرة «القرم - أبوظبي»، ليصبح العمل البيئي أكثر دقة، وأكثر اعتماداً على العلم والبيانات.
وأجمل ما في التجربة الإماراتية أنها لا تزرع الأشجار فقط، ولكنها تبني منظومة متكاملة لحمايتها وقياس أثرها. فالمرصد الجديد يتابع ملايين الأشجار المزروعة، ويرصد نموها، ويقيم نجاح مشاريع إعادة التأهيل، مستفيداً من صور الأقمار الصناعية والمسوح الميدانية والبيانات العلمية، بما يجعل القرار البيئي قائماً على المعرفة لا الاجتهاد.
وفي هذه المناسبة، اختصر سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، المعنى كله عندما أكد أن «أشجار القرم تمثّل جزءاً أصيلاً من البيئة الإماراتية، ورمزاً لقدرة الطبيعة على العطاء والتجدد»، وأن حماية النظم البيئية مسؤولية مشتركة وقيمة راسخة في نهج الدولة.
وأعاد سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة رئيس مجلس إدارة هيئة البيئة - أبوظبي، التذكير بأن ما يتحقق اليوم هو امتداد لإرث الشيخ زايد، وبدعم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حيث تجاوز عدد أشجار القرم المزروعة في أبوظبي 75 مليون شجرة، في طريق الدولة إلى بلوغ هدفها بزراعة 100 مليون شجرة بحلول عام 2030.
أحياناً تختصر شجرة واحدة حكاية وطن. والقرم في الإمارات ليس مجرد غابة تحرس الشواطئ أو ملاذاً للكائنات البحرية والطيور، ولكنها أصبحت عنواناً لفلسفة كاملة ترى أن التنمية لا تنفصل عن البيئة، وأن الاستثمار الحقيقي هو ما يترك للأجيال القادمة أرضاً أكثر اخضراراً، وبحراً أكثر حياة، ومستقبلاً أكثر أمناً.
هكذا أرادها زايد.. وهكذا تمضي الإمارات، تزرع اليوم ما سيحصد العالم ثماره غداً.