بعض المبادرات تمر مرور الخبر العابر، فيما تتحول أخرى إلى علامات فارقة في مسار التاريخ. وإعلان مراكش، الذي أكمل عقده الأول، يبدو اليوم أقرب إلى الفئة الثانية، ليس لأنه وثيقة قانونية ملزمة، بل لكونه نجح في إعادة تقديم خطاب إسلامي أصيل حول المواطنة والتعددية الدينية، مستنداً إلى مرجعية راسخة في «صحيفة المدينة»، بعيداً عن سجالات السياسة وتقلبات الأيديولوجيا.
اليوم وبعد عشر سنوات، لم يعُد السؤال: ماذا قال إعلان مراكش؟ بل ماذا صنع؟ والإجابة تكمن في حجم الحضور الدولي الذي احتفى بذكراه، وفي الامتداد الذي حققته أفكاره داخل المؤسسات الأكاديمية والدينية، وفي المبادرات التي وُلدت من روحه، من «إعلان أبوظبي للمواطنة الشاملة» إلى «ميثاق حلف الفضول الجديد» وغيرها من المشاريع التي جعلت من الحوار والتعايش ممارسة عملية، لا مجرد شعارات.
الإعلان لم يكتسب مكانته من قوة الخطاب وحدها، وإنما من توافر عناصر النجاح الثلاثة: التأصيل العلمي، والإرادة السياسية، والشراكة الدولية. فعندما تتكامل المرجعية الشرعية مع الدعم المؤسسي والرؤية القيادية، تصبح الأفكار قادرة على تجاوز قاعات المؤتمرات إلى فضاءات التأثير الحقيقي.
ولعل ما أكده معالي العلامة الشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم، خلال الاحتفال بالمناسبة يعكس هذه الحقيقة بوضوح، حين ربط بين نجاح الإعلان وبين الدعم الإماراتي الذي وفّر البيئة اللازمة لتحويل المبادرات الفكرية إلى برامج ومشروعات ذات أثر ملموس. فالأفكار، مهما بلغت قوتها، تحتاج دائماً إلى من يؤمن بها ويمنحها فرصة الحياة.
ونحن نشهد عالماً تتزايد فيه خطابات الكراهية والانغلاق، تبدو الحاجة اليوم إلى الانتقال من الاحتفاء بالوثائق إلى الاستثمار في تطبيقاتها. وهذا ما دعا إليه المشاركون عندما طالبوا بإدراج قيم المواطنة والتعايش في المناهج التعليمية، وتأهيل القيادات الشابة، وتطوير السياسات العامة بما يعزز ثقافة السلم والعيش المشترك.
لقد أثبتت السنوات العشر الماضية أن حماية التنوع الديني ليست تنازلاً عن الهوية، ولكنه تعبير عن قوتها وثقتها بنفسها.
ويبقى الرهان الحقيقي للعقد المقبل أن تتحول هذه المبادئ إلى سلوك يومي وثقافة مجتمعية، بحيث لا يكون إعلان مراكش مجرد وثيقة يحتفى بذكراها كل عشر سنوات، وإنما مرجع حي ينعكس في المدرسة، والجامعة، والإعلام، والسياسات العامة، وفي تفاصيل الحياة اليومية للناس. فالأفكار العظيمة لا تقاس بما كُتب عنها، وإنما بما غيّرته في الواقع. وستظل الإمارات حفظها الله منارة للسلام والتسامح والأخوة الإنسانية.


