التراث جذر الهوية الوطنية، ما من أمة إلا ولها في التراث حكاية، ترسم جذورها في أعماق الوطن، وفي ضمير الإنسان تبدو عناقيدها منثورة بين تلافيف المشاعر، عند نياط القلب.
اليوم والمجتمع يسير نحو غايات النهوض، والتقدم، والتطور، يصبح الاهتمام بالتراث مسؤولية وطنية، تتحملها الأجيال، وتمسك بتلابيبها، كما تتمسك المحارة بدرة الأعماق، وكما تلتحم النخلة في تراب الأرض. من هذا المنطلق، تعمل القيادة الرشيدة، على ترسيخ التراث، محوراً في الهوية الوطنية، وجوهر الانتماء إلى الوطن، تأتي النخلة في صُلب المعطيات التي اهتمّت بها الدولة، منذ التأسيس، وقبله.
وكان للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، البصمة الراسخة في قلب الإنسان الإماراتي، وكانت عنايته بهذه الشجرة المباركة، حكاية الأخضر، والماء وما بينهما تبزغ الروح الوطنية وهي ترتع في حقول الباسقات، اليانعات، المبهرات بقامات العلو، وما تحدثت عنه الغيمة، وهي تحوك قماشة الحرير على أرض حباها الله بقيادة، آمنت بأن للنخلة سبراً في الضمير، وأن لهذه الأيقونة مكاناً في القلب، وجدولاً يسرب حنينه التاريخي في الشرايين.
ولا شك في أن الاهتمام البالغ بالتراث هو جزء لا يتجزأ من الروح التي عاشها الإنسان، في أزمنة غابرة، وحتى اليوم، يلقى أطفالنا دروساً في تعليم كيف هي الشجرة، مرتبطة ارتباط الدم بالجسد، وارتباط الروح بالحياة، الرخية، وما نشهده من تعدد المهرجانات التراثية، لهو التعبير الوافي عن إيمان القيادة الرشيدة في استدامة علاقة عضوية بين الإنسان والنخلة بصورة خاصة، وبين الإنسان والشجرة بصورة عامة، لأن للشجرة ظلاً، تحت سقفه، سكنت قلوب، ودارت قصص، ومرّت حكايات، وانبثقت صور، وبرزت مشاهد، ومواقف، وفوق كل ذلك، هناك في التاريخ كتاب مفتوح على المدى، يفتح وريقاته على العالم، ليؤسس بنيان هوية، ما كان لها أن تعشب، وتتفرع أغصان أشجارها، لولا هذا الحب، هذا التعلق، هذا التدفق، هذا التألق، هذا التمكين لمشاعر أصبحت اليوم شجرة وارفة.
النخلة، هي الخِل الخليل، وهي الرفيق الجليل، هي بساط الأيام، وما دار عليها من أشجان أمهات، بلغن من العمر عتياً، وكن في دروس الليل ملهمات، لعقول صغار، أصغوا، ورققوا المشاعر، كي تسري الحكاية في عمق الذاكرة، وتبدو اليوم مرآة تطلع لمزيد من الالتحام بالأرض، وتصير رمالها تعكف على ترتيل آيات الصدق، والإخلاص، والوفاء، لتضاريس ما كانت لتصمد أمام متحولات الدهر، وعسر الحاجة، وتقتير المعطى، لولا هذه الدماء التي أحرقت أعواد الملمات، لتحقق منجزها الوطني على أقدس تراب، وأنبل بقعة في الكون، بالنسبة لكل من عاش على هذه الأرض، وشرب من مائها، وتنفس هواءها، واستلهم من قصتها ما يبعث على الفخر، والاعتزاز.


