يُسمعنا كثيرون من زملاء العمل ورفاق الحياة ومعارفنا ممن نبحر معهم إلى العمق، وكذلك من نخليهم على السِيفة بقولهم: «السَد عند الباير حوزه ثلاثة أيام وعند أصحاب السراير يأخذ دهراً وأياماً». والسَد هو السر والستر والخاص من المواقف والأحداث التي يبقيها المرء العاقل في دائرة صغيرة يعرف أصحابها بالمقربين وأصحاب الثقة. وثقافة الثقة من أهم مقومات المجتمع الإماراتي الذي يعيش أفراده في بيئة يسودها إيمانٌ قوي بوجود وممارسة قيم نبيلة بين الأفراد والمؤسسات تعكسها عقيدة ومبادئ تحث على النزاهة والتصرف بحسن نية ووضوح وشفافية لا تشوبها شائبة.
كنت في البلاد الاسكندنافية قبل أيام، وما أن ذكرت للنادل الذي قدم لي قهوة «أميركانو» أني من الإمارات حتى قال: «سمعت عن بلادكم كثيراً، فأنتم من يتنافس معنا عالمياً على منصات السعادة، سمعت عن الثقة التي تولونها لقيادتكم، وعن العلاقة الاستثنائية التي تربطكم بهم، وعن الثقة، والاحترام الذي يسعد به أفراد مجتمعكم». قلت له: «لم تترك لي مجالاً للرد.. ولكنني أدعوك لزيارة الإمارات فترى واقع ذلك بنفسك». ابتسم وقال: «سمعت أنكم تشربون الكثير من القهوة، وهناك مقاهٍ تُسعد مرتاديها بحبوب بُنٍ يجلب من أصقاع العالم». قلت له بإصرار: «نعم، وهذا سببٌ آخر قد يحفزك على الزيارة المرتقبة». 
استأذن مني وذهب يسرد ما دار بيني وبينه لزملاء عمله وعندما طلبت الفاتورة، سمعت مدير المقهى يقول لإحدى الفتيات العاملات هناك: «يبدو أن السيدة الإماراتية تطلب الفاتورة». ثم اقتربت مني فتاة خالفت يديها وراء ظهرها، وقالت: «عذراً مدام، لقد دفع الحساب زميلي مايكل الذي انتهى دوامه للتو.. وتفادياً للإحراج لم يرغب في التباهي بأنه دفع فاتورة القهوة وشطيرة الجبن، وأوصاني أن أقول لكِ إنك أول شخص يتحدث معه بحرارة وشغف فعيلنا هنا يذوب ولا يتذكر وجوهنا أحد.. لا أحد يحاكي عقولنا، فالفرضية أننا في نهاية سلم الحياة، وتقف أمامنا عقبات كثيرة علينا تخطيها لنثبت جدارتنا». شكرت الصبية، وكتبت لمايكل كلاماً جميلاً يعبر عن امتناني، وتركت المكان.
للعارفين أقول، تتجلى ثقافة الثقة عندما يشعر الناس بالأمان والاستقلالية والمسؤولية والتعاون، والأهم من ذلك كله النزاهة في كل شيء. هذه التجربة كانت مقياساً لما توفره لنا القيادة الرشيدة من علمٍ ومعرفة وفرص في الحياة، فكلما وأينما نظرنا وجدنا مبادرة ترقى بنا وبإنسانيتنا، وتصنع ذاكرة تجعل رد الجميل نصب أعيننا، والله «يقدرنا على رد جميلك يالإمارات».