تعذبني هذه الجميلة، عندما أقرأ محيّاها، وعلى قسماتها تستمر العناوين بارزة كأسنان المشط تسند بعضها بعضاً، وتساورني بأن التاريخ قد يسرق مني هذه الهيفاء، وأظلّ أبحث عنها في تلافيف الماضي، والماضي مثل لص ماكر، يسرق عمرك ويهرب، يضرب وجهك، ويختفي وتظل أنت المكظوم تنبش في أعشاش شجرة التاريخ ولا تجد سوى وجهك، في مرآة قديمة تشققت صفحاتها، صارت مثل كف كهل عفا عليه الزمن.
تعذبني هذه الجميلة، وعندما يتأخر موعد وصولها، أظلُّ أمضغ قلقي، لباناً مراً، وأنتظر.. أنتظر، ولما يهل هلالها أشعر بأني قد امتلكت العالم، وطرقته بين ذراعي، وسرت به باتجاه عينين، طالما قرأت، ومحصّت، وتفحّصت، وتعمّقت، واستغرقت وقتاً طويلاً وهي تفلّي الكلمات، وتتسرب بين السطور تبحث عن الأمل، عن بارقة تشيع الفرح، في عالم نسي الفرح في حقيبة التاريخ، المثقوبة، عالم لم يزل يسحب خلفه ذيل الأفعى، متورّماً من شديد المرايا المعكوسة، لأخبار يتمنى الإنسان أن تتخلى عن شحوبها، وتفتح نافذة للفرح. أنت أيتها الجميلة، لم تزل صفحاتك تغدقني برائحة الخشب، الذي صار ورقاً، وعطر الحبر الذي تحوّل إلى دم ملوّن، أنتظرك كل صباح، وبشغف العشاق، أتلهّف وصولك، وأنت بين يدي الرجل الغريب، تتحرك صفحاتك، مثل أجنحة الطير، يحرك في داخلي أياماً، تتجلّى فيها وجوه، كأنها المرايا، ومشاهد، ومواقف، وأحداث مرّت من هنا، من طرف القلب، بعضها كان زاهياً كعينيّ امرأة من ذاك الزمان، وبعضها، مثل غيمة داكنة تخطف ألباب القمر، وتدركه خلف ملاءتها الرمادية.
أنتِ.. أنت أيتها الجميلة، سُميتِ باسم وطن لا يشبه الأوطان، بل هو النغمة الرائقة، تجول على كل لسان، وطن ملأ الدنيا، جمالاً، ملأ الكون ألواناً، كما هي الموجة، عندما تتسلق البحر، وتمضي في الحياة، جناحاً، مترعاً بعطر السواعد التي مرت من طرقها، وبخور السفائن، التي عبرت محيط الوجدان البشري، وبأريحية عشاق المماطلة الجميلة. أنتِ.. أنت ليست صحيفة، أنت المقلة الرهيفة، أنت سعفة النخل التي شدّت رحالها، وصارت بين الرموش نسمات تعبق أفئدة العشاق، وتملأ ثقوب الروح بعطر وبخور، أنت ليست صحيفة، حبيبتي، أنت أغنية على لسان النوارس التي خطفت أبصاراً، ولم تزل تحتفظ بروح زمن، كان أشبه بلوحة فنية، لم يصورها فنان، بل هي من طبيعة المكان، من نسق مشاعر شعب، أحب الجمال، وأحبته الطبيعة، لما أهدته أجمل شجرة، وأنبل الأشجار، تلك النخلة وارفة النسق، وصدق المهابة، أنت، أنت أيتها الجميلة، من لي بهذا القلب، يسكت نبضه، لأغيب في طيات التاريخ، وأسكن الجرح العميق بين دفتي كتاب، اسمه وجه هذا الصديق، وذاك الزميل، وما بينهما، زمن يتشكل عنواناً للحب، وسيرة دؤوبة، تكتب كلماتها بقلم شهقة العشق في اليوم الأول لمزاولة الحضور، كواحد من مئات، من الوجوه التي لم تزل تحرك المواجع، مثلما تحرك الريح أجنحة الطير المتسرب في الوجود، سهواً.


