- في ذاك الصباح الباريسي الخالي من التعب تنتابك مشاعر لا تدري عنها، أهي شيء من الحنين ودفء الذكريات؟ شيء من دفء الموجودات التي ترسل رسائلها إلى تجاويف الصدر؟ لِمَ في هذا الصباح ثمة عافية تسكن البدن وتجعله بخفة الطائر؟ لا تقولوا: إن بعض الأشياء في بعض الأوقات لا تخلق تلك الأجنحة التي تحلق بالإنسان بعيداً.. وعميقاً.
- ألمح عجوزاً حنون تثني ركبتيها المتخشبتين، وتنحني على رجل «كلوشار» عجوز نائم في إغفاءة سُكر، وتحنو عليه، وتتأكد أنه ما زال يتنفس هواء الحياة، وأنه يمكنه أن يحلم بعد، تخرج من شنطتها فكّة نقود معدنية، وتضعها جنبه، وحين يفتح عينيه بارتخاء متثاقل، تغادر هي المكان وشيء يمكن أن يكون دفئاً من سعادة سكن صدرها، وصَلب عودها، وجعلها تبتسم للحياة بخطوات خلت من ارتجافة.
- تمر بجانب صاحب مطعم، يبدو نصاباً أو أنه عمل فترة على ظهر سفينة بحرية، يرى أمامه ثلاث نساء يبدو عليهن من أوزانهن أنهن من أميركا الشمالية، يتحدث ملاطفاً، ويعرض قائمة طعامه التي تزينها صورة لقطعة كبيرة من لحم عجل مشوي على الحجر، أضحك وقد عرفت حيلته، وعرفت أن النساء الثلاث قد بركن عند أول ثلاثة مقاعد عند ناصية مطعمه مبتسمات بجوع مفاجئ.
- تعد في ذلك الصباح الخالي من التعب الأيام التي قاربت العشرين في باريس، وتتذكر أنك لم تلتق بكذاب خلال ذاك الوقت، ولم يمر بمقامك كذاب، وتعجب أن للكذب أماكن يترعرع فيها، ولا ينبت حيث ينبت العشب الأخضر.
- تصل إلى مقهى قديم تعرفه منذ التسعين يحتل زاوية على شارع الشانزيليزيه، كان اسمه «مدريغال»، تغير اسمه في فترة الضياع، وكاد أن يفلس، وعاد له من جديد اسمه القديم وانتعش، وتتذكر قصة كتبتها فيه عن امرأة غريبة تأتيه كل يوم، تضع شاشاً قطنياً على إحدى عينيها، وعصابة بيضاء عليها لطخة دماء على رأسها، وبعد أيام تغير موقع الإصابة الباطلة، كانت تحظى بتعاطف كل مرتادي ذاك المقهى في ذلك اليوم، وحدهم زبائنه الدائمون يعرفون أنها عدة نصب!


