الحفاظ على التراث أصبح اليوم استثماراً في المستقبل، خاصة عندما يتحوّل إلى معرفة قابلة للبحث والتطوير والابتكار، بعيداً عن ذلك المفهوم التقليدي الذي يحصره في توثيق الماضي.
ومن هنا تكتسب زيارة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة إلى مجمع زايد لبحوث الأعشاب والطب التقليدي أهمية خاصة كونها تعكس رؤية وطنية تجعل من الموروث الإماراتي ركيزة لإنتاج المعرفة وصناعة حلول صحية حديثة.
وقد أكد سموه أن الإمارات تولي اهتماماً كبيراً بالبحث العلمي والابتكار في القطاع الصحي، وتحرص على توظيف الموروث الوطني والمعارف التقليدية وفق أُسس علمية رصينة.
لقد أثبتت الإمارات في مختلف القطاعات أن التنمية الحقيقية تقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية الوطنية ومنهجية العلم. ويأتي الاهتمام بالطب التقليدي في هذا السياق.
ما يميّز تجربة مجمع زايد لبحوث الأعشاب والطب التقليدي أنه لا يكتفي بجمع النباتات الطبية أو توثيق المعارف الشعبية، ولكنه يعمل على بناء مرجعية وطنية متخصّصة، تضم مختبرات حديثة، ومنظومة لإدارة المعرفة، ومعشبة علمية، وموسوعة للنباتات الإماراتية، إلى جانب برامج بحثية وشراكات دولية تستفيد من التجارب الرائدة في آسيا، حيث يمتلك الطب التقليدي تاريخاً طويلاً في البحث والتطبيق.
وتتجلى أهمية هذه الجهود أيضاً في الخطط المستقبلية للمجمع، بدءاً من إنشاء عيادة إماراتية للطب التقليدي والتكاملي، ووحدة للتجارب السريرية، مروراً بتطوير الاعتماد الأكاديمي، وصولاً إلى إنتاج الأدوية العشبية وفق معايير التصنيع الجيد. وهي خطوات تؤكد أن الدولة لا تنظر إلى هذا القطاع باعتباره إرثاً ثقافياً فحسب، بل باعتباره أحد روافد الاقتصاد المعرفي والابتكار الصحي.
الرسالة الأهم التي تحملها الرؤية الإماراتية أن الهوية الوطنية لا تتعارض مع التقدم العلمي، بل يمكن أن تكون مصدر إلهام له. فالمعارف التي تراكمت عبر الأجيال تصبح أكثر قيمة عندما تُقرأ بلغة المختبرات، وتُختبر بالأدلة، وتتحول إلى منتجات وخدمات تسهم في تحسين جودة الحياة.
وهكذا تواصل الإمارات تقديم نموذج تنموي متوازن، يربط الماضي بالمستقبل، ويمنح التراث فرصة جديدة للحياة داخل مؤسسات البحث والابتكار. وعندما يصبح الموروث موضوعاً للعلم، ويصبح العلم جسراً لصون الموروث، النتيجة الحفاظ على الهوية، ومعها صناعة مستقبل صحي أكثر استدامة، يرسخ مكانة الدولة مركزاً عالمياً للبحث والابتكار، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ دائماً من المعرفة.


