- تلبس الخفاف تاركاً الثقال في تلك الخزانة الخشبية الباردة في النُزل الفندقي الذي يودعك كرجل محترم وملتزم، مقدماً لك تلك المظلة الأنيقة التي تليق بـ«جنتلمان» في نهاره المزدحم بالعمل والمواعيد، تلتقفها على مضض؛ لأنك وهي غير أصحاب على الدوام، لكنها الآن ربما كانت مثل عكازة تسعف الرِجل اليمين، وربما اتقاء مطر قد يباغت المدينة في صباحها الخالي من التعب.
- تبدأ ذاك الصباح بتفقد جيران الأمس البعيد في ذلك الحي الذي لم يتغير كثيراً، غير أن بعض الوجوه كستها السنون تغضناً ووهناً، يكون الود ودك في هذا الصباح الباريسي لو تستطيع أن تقرع أبوابهم، فقط لتقول لهم: «بونجور»! وحده الحزن الذي قد يكون لابِداً خلف باب أحدهم بعد أن ودع الحياة يجعلك تجفل، وتمني النفس بلقاء أحدهم عند ناصية الساحة أو عند البريد القديم كما الأيام الخوالي أو على مقعد في حديقة الحي مستظلاً بفيء أشجار يعرفها منذ أمد طويل، عاصرها في كل فصولها، أو تمنح من تراه بسمة الطريق التي كانت حاضرة، وتبدأ بها سبّاقاً للود والخير.
- ومثلما يحزنك أن تعرف شخصاً كان هنا.. وغادر إلى هناك، تاركاً شرفته تستجدي ظله نهاراً وشبحه ليلاً، يحزنك أن يقفل محل في غفلة من الناس، كنت تعرف بابه، وتعرف صاحبته، وتعرف كم كان يعطي عافية للشارع وعيون الناس، وكم حملت منه حقائبك.
- تمضي في ساعات ذاك النهار الخالي من التعب تعد الخطوات المتئدة والمتسارعة، والوقفات المتأملة في الناس والمكان، هل شاخ ذلك المقعد الخشبي؟ هل ما زال يتذكر جلسات شاب متلهف للمعرفة وسبر النفوس ويطالع كتاباً يتهجى حروفه الأجنبية؟ هل ما زالت صبية المخبز تكبر كل يوم فيه؟ وهل ذهب ذاك التورد في الوجه، خاصة في الشتاء البارد؟ أتمنى أن ذلك البائع الفرنسي المتأنق دوماً ما زال في حانوته الذي تفوح منه روائح عطور الخشب والتبغ والجلد، وأنه لم يترك باريس في تقاعده نحو قريته ومنزله الريفي منتظراً كل يوم المساء مبكراً.
- أمشي على مهل وبكسل، أشاهد طفلاً يرتدي فانيلة نادي «باريس سان جيرمان»، ويقلد لوالديه حركة «الميتادور رونالدو» أضحك.. فيفرح ببراءة ليتها لا تغيب عنه حين تضيق عليه تلك الملابس الرياضية.. وغداً نكمل.