أعلم أنها تحبُّني، كما أني أحتاجها، مثل احتياجي إلى الماء والهواء، فهي التي تكوّن ذائقتي، وهي التي تبني حكايتي مع الوجود، وهي التي تنظم مشاعري، عندما أكون في أمسِّ الحاجة إلى لملمة بعضي، في كلها، وأمضي في الدُّنى، طائراً يبحث عن سرب اللغة، كي يحمي فراغه من الفراغ، وكي يُسبر سر النبض في ثنيات الكلمة، ويتأمل في حروفها، كما الرموش تخفي سر البريق في عيني كاعب، تسرد قصة جمالها في لمح البصر، وفي دروب الهوى أجد نفسي في دياجير اللغة، أهيم عاشقاً، تهمّه الصيغة، واللحن الخفي في وجنة اللجين، في المضمون، والشّكل، سيّان، أنا أفكر في مطاردة الابتسامة، على لسان عربي، خالٍ من اللجاجة، خاوٍ من اللعثمة، نقي، صافٍ، كما هي لغتي التي تحبُّني كما أشتاق إليها، وأحزن كثيراً عندما تمسّها الجهامة على لسان يبدو لي مثل حرف نون انقلب به قارب الحصافة، وتدهورت به سفينة الفصاحة، وضاع بين البين، وبين ما يُعقل، وما لا يُعقل، وأنا في الحشرجة، أظن أن هناك مباغتة، أصابت هذه الجميلة، وجعلتها تبحث عن بيت القصيد، في عالم يتشكّل على غير هدي، عالم تتهشم عظام خيمته، عند مضارب الذين ضاعوا، وضيعوا، ومسمار مختار الصحاح، وبدت خيام اللغة، في عويل مستدام، يسأل عن رب الكلمات، ويسأل عن رسول يأتي ليخلص التاريخ من شعوذة القاموس، المحنك، في بعثرة القوانين، وحقائق ما قد تستقر عنده، أجنحة، طال الزمان، ولم تجد الغصون التي تحط عليها، وعليها ترفع النشيد عالياً، باسم لغة، أصابها، ما أصابها، من وعكة، ثم جائحة، ثم فراغ يملأ أبيات قصائد ضلّت طريقها إلى القاموس، فعكفت على الرجّات، والهزّات، نافرة، متعثّرة مثل عربات معطوبة، طاحت بين رمال القتاد، تحثو وجه البرية، بغبار، وسعار، وإكثار في النواح على ما لا قد يأتي ولن يأتي، لأن الهوجاء عمرت مواقدها، واكفهرّ وجه الخليقة، حتى بات القاموس مجرد ذاكرة، تشبه عيني امرأة ثكلى، نامت على وسادة خالية، إلا من الدمع الساخن.
الله، كم هي تحبُّني، وكم أنا أحتاجها عندما تنضب الأزمنة، من لحن، وترنيمة، ومن نسمة وغيمة، ومن حلم يرسم على وجه العالم، صورة لغة تشبه النجمة، وها أنا أبحث عنها ولا أجدها لأن القصيدة التي كتبها المتنبّي، وكذلك حبيب الصايغ، باتت تنعي الفقيد، ذلك الألم اللذيذ عندما يبري قلمه ويقول للقصيدة ها أنا هنا، أنا الألم اللذيذ، أنا الورطة، البهية، امتشقوا أيها الشعراء، حلماً يبتعث من جديد، ويكتب القصيدة الجديدة، خالية من الهنات، والعهن، معافاة من سرد اللامعنى، وجمال القصيدة، يختفي وراء ضعفه، وهزال معناه.