لماذا هذا الصمت؟ لماذا لا تخبرني كيف تمضي أيامُها؟ كيف يواجه أبنائي حياتهم؟ لماذا لا تتحدث عن أي شيء في هذا العالم؟!! ظل إسماعيل يردد هذه الاستفهامات داخله عن زوجته، حاملاً في قلبه استهجاناً لاذعاً واستنكاراً لموقفها البارد؛ مستغرباً خرسها، رغم قيامها برعايته بإخلاص لا تشوبه شائبة، لكن بهدوء قاسٍ خالٍ من الدفء!
لهذا وجد إسماعيل نفسه يستنطق الجمادات حوله في تلك الغرفة التي تحولت إلى مستودع للذاكرة والأشياء القديمة. يُحدّث البرواز، ويحاور الكرسي والحقيبة، باحثاً في تفاصيل المكان عن تاريخ مهملٍ من العالم كله إلا في ذاكرته.
قضى رجلنا هذا في مكانه عشرين عاماً كاملة، اعتقد فيها أهله في بداية سقوطه المرضي أن الأمر مؤقت، ولكن بعد سنوات قليلة أدرك الجميع أنه لا أمل في شفائه، وسيبقى عاجزاً بالكامل إلا من حركة عينيه اللتين يرى بهما بقدر ما يسمح به الاتجاه الذي عليه رأسه. ولعقدين كاملين بقي عالِقاً في مكانه مع ذكرياته وتداعياتها، بنظرةٍ غير كاملةٍ تجاه الفتحة الصغيرة لباب الغرفة الذي لا يُفتح كاملاً بسبب تراكم الأشياء خلفه؛ ذلك الباب الذي تأتي منه أصوات متقطعة يحاول جاهداً تركيبها ليُكوِّنَ جُمَلاً يفهم منها شيئاً، ليعرف عن منزل كان يوماً ما هو الآمر الناهي فيه!
اختارت زوجته «مريم» الاستمرار في جعله بعيداً عنها بقدر ما أراد هو ذلك وفعله طيلة سنوات زواجه. بلعت مرارتها وقامت بواجبها بصوت محبوس، كما اختار هو من قبل أن يحبس عنها الكلمات ويغرق في جفائه الأبدي. لقد زرع إسماعيل ذلك الخرس بيده حين كان يملك نعمة الكلام، فحصد طوفانه حين أصبح عاجزاً عنه.
غير أنَّ أكثر ما يؤلم في قصة إسماعيل هو استحقاقه للوحدة التي عاشها؛ فقد علّم زوجته الصمت عندما تعالى عليها وتجاهلها، وعندما لم يشاركها قصصه واستخف بقصصها، وعندما بخل بأبسط عبارات الحنو المستحقة لشريكته، في حين كان يوزع ابتساماته وحكاياته على الغرباء في الطرقات.
للأسف، كانت مريم تلميذة ملتزمة، أتقنت اللغة التي علّمها إياها إسماعيل، وكان هو الأستاذ الذي علّمه الزمن متأخراً فصاحةَ تلك اللغة.