لم يكن أحد على الإطلاق، يظن مجرد الظن، أن جياني إنفانتينو الذي خرج من كأس العالم 2026 مزهواً بنجاح نسخة هي الأكبر والأنجح والأقوى في التاريخ، سيجد نفسه بعد أسابيع قليلة محاصراً من كل الجهات، ينظر إلى العرش الذي بناه خلال عشر سنوات، وقد بدأ يتصدع من الداخل، لا من الخارج.
في السياسة، كما في كرة القدم، ليست الهزيمة هي التي تقتل الزعماء، وإنما الشعور بأنهم لم يعودوا يصغون لمن حولهم. وهذا بالتحديد ما يبدو أنه يحدث اليوم داخل بيت «فيفا».
الأزمة لم تنفجر لأن نتائج المونديال كانت كارثية، ولا لأن الاتحاد الدولي يعاني أزمة مالية أو تنظيمية أو هيكلية، بل لأن إنفانتينو اختار أن يذهب أبعد مما تسمح به قواعد المؤسّسة. مشروع بيع الحقوق التجارية لكأس العالم لصناديق الاستثمار الخاصة لم يُنظر إليه على أنه مجرد صفقة اقتصادية، بل اعتُبر محاولة لنقل اللعبة من فضاء الاتحادات الوطنية والقارية إلى عالم المال، حيث تصبح كرة القدم مجرد أصل استثماري، لا إرثاً إنسانياً وثقافياً.
وهنا بدأ الاحتقان. شعرت الاتحادات القارية بأن نفوذها مهدّد، وخافت الاتحادات الوطنية من فقدان ما تبقّى لها من سلطة، بينما رأى كبار الخبراء من حرّاس المعبد، أن رئيس «فيفا» أصبح يتصرف بمنطق المالك أكثر من منطق الحارس الأمين على اللعبة.
ثم جاءت الضربة الأكثر إيلاماً.. عندما يبدأ المقربون في الابتعاد، فاعلم أن الأزمة بلغت مرحلة اللاعودة. فالتاريخ يعلمنا أن الزعماء لا يسقطون عندما يهاجمهم خصومهم، بل عندما يتخلى عنهم حلفاؤهم. وما تسرّب عن مواقف شخصيات نافذة داخل الاتحاد الدولي، وعن تزايد الأصوات المطالبة بمرحلة جديدة، يكشف أن إنفانتينو لم يَعُد يواجه معارضة عابرة، بل هو في قلب أزمة ثقة حقيقية.
لذلك، فإن «اجتماع أزمة»، الذي احتضنه المغرب لا يبدو مجرد لقاء عادي، بل يشبه غرفة عمليات لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، برغم أن الاجتماعات وحدها لا تطفئ الحرائق إذا كان الوقود لا يزال يتدفق إليها.
هل ينجح إنفانتينو في تجاوز العاصفة؟
الاحتمال قائم، فهو سياسي بارع، وأثبت في أكثر من محطة أنه يجيد المناورة وكسب الوقت وإعادة ترتيب التحالفات. لكنه هذه المرة يواجه خصوماً من داخل البيت، وهم الأخطر دائماً، لأنهم يعرفون مفاتيح القوة كما يعرفون نقاط الضعف. قد ينجو إنفانتينو، وقد يربح جولة أخرى، لكن المؤكد أن صورته كرئيس لا يُهزم قد تكسّرت. وحتى لو بقي في منصبه، فلن يحكم «فيفا» بالراحة نفسها التي حكم بها خلال السنوات الماضية.
إن أكبر درس تكتبه هذه الأزمة هو أن السلطة في كرة القدم، مهما بلغت قوّتها، لا تعيش على الإنجازات وحدها، بل على التوازن. وعندما يختلُّ التوازن بين المال والقرار، وبين النفوذ والتوافق، يبدأ العرش في الاهتزاز… حتى وإن بدا من الخارج غير قابل للاحتراق.


