إن بعض الأماكن تشبه تفاصيل حياتك، وتأخذك إلى عوالم طفولة معزّزة بذاكرة مفعمة بفقدان شيء ما، تشعر وأنت تجلس في المكان الذي لُذت إليه بعيداً عن الزحام، بأنك أضعف من أن تردع بعض الصور التي تظل تتردد على وعيك، مثل صخور صماء تتزحلق نحوك، قادمة من سفح وعر.
تشعر وكأن عقلك ليس عقلك، بل هو حزمة ركام من الصور والأفكار، فتسأل نفسك إذا كان الأمر كذلك، فلماذا هربت من مكاني، وهرعت إلى هنا؟ يصطدم السؤال، بصوت يحرك فيك ذاكرة الجدران القديمة، فتتهاوى، وتحتدم أنت، عندما يزدحم المشهد الليلي وأنت تستلقي على السرير الأبيض بعد مشقة طريق قطعته من مدينة، إلى مدينة، وأصبح مكانك يوغل في الدهشة، دهشة التغير المناخي، الذي يحدث عندما تغادر مهدك، وتأتي إلى موئل آخر تعتقد أنك ستقطف من أشجاره ثمرات السكينة، ولا تعلم بأن ضجيج الحياة الذي فررت منه، يتبعك أينما وجهت وجهك، وأينما ذهبت، فما زلت أنت وكأنك ذلك الشغوف الذي يقلّب صفحات كتاب الحياة والذكريات القديم، ويقرأ قصصاً رسخت حروفها وصارت أمام عينيك، مثل سطور في لوح القلب العتيق، صرت تبحث عنك في طيات الذاكرة المكتنزة.
تسمع من خلف الجدران الساكنة، فتتحسس تفاصيل الأصوات التي ربما أثارت حفيظتك. وتسأل نفسك، ما هذه المشاعر، التي كلما فكرت في ترويضها، وكلما شمّرت عن سواعدها، واقتحمت صدري بجلَد أهل الصحراء، وجسامة أهل البحر؟ حاولت استدعاء النوم، وفّرت له كل الأسباب ولكنه أبى، وتولى يخفق بعصيان مرير، وصرت أتقلّب مثل سمكة، قذفت بها الموجة على الرمل، صرت أتنفس هواء المكيف البارد، وأقول: ربّاه هذا المخلوق الذي صنع هذه الآلة أنظف من ملايين البشر الذين يملأون حياة الناس بالفجيعة، والخوف، وعراء المشاعر. لذتُ إلى الوسادة، وصفعت وجهي بخشونة صور صفعت العالم باللامبالاة، ولكن لا جدوى، فالعالم أصبح لا يحس بما يلتطم به، العالم نسي مشاعره في صندوق أسود قديم قدم الدهر، وأصبح مثل شجرة جرداء، تبرز أخشابها الرجفاء، مثل ضلوع كهل، يسوده الحنين إلى طفولة غابرة. الأصوات في الخارج لا تتوقف، والضحكات العالية، مثل أمواج تصطدم بالجدران، فتصدر صدى يشبه الهدير، كان لابدّ وأن أتعايش، وألا أتذمر، فالحياة هي هكذا، مزيج بين الوجوه، كما أنها خليط بين مشاعر منفتحة على الفرح، وأخرى منغلقة، من فرط الغياب الطويل لشمس نهار لا تدركه الغيمة الداكنة.
غرزت رأسي في الوسادة الرخية مثل إبرة في قماشة قطنية. في الصباح عندما رفعت رأسي شعرت وكأني أحمل فوق جمجمتي كيساً من طين، بحثت عن حبة بنادول، شربتها واختفت الحبة، ولم يختفِ الألم، بعد مرور أكثر من نصف ساعة، ولكني شعرت بأن رأسي خلع قبّعة سميكة، وظل مكشوفاً، إلا من الأفكار التي على ما يبدو أنها لم تنم كذلك، ورفعت رأسها، لتقول هيّا، نبدأ في قراءة السطور التي كتبتها البارحة وأنت في أتم القلق، ولما انتبهت، وجدت نفسي أقرأ، تاريخاً طويلاً من الأحلام الأدبية التي مرت على الجفنين مثل فراشات بلا أجنحة، كانت تمشي الخيلاء على الرموش، مبهورة بما يعتلج في خاطري، وبقيت هكذا حتى انتصف النهار، ونادتني من خلف الباب تدعوني للنهوض فقد حان وقت مغادرة الغرفة، وترك السرير الأبيض، يحتفظ برائحة، الليل، وبعض أنفاس مرت على الوسادة.


