جاءت استضافة الإمارات لمؤتمر ومعرض دبي الدولي للإغاثة والتطوير «ديهاد 2026» الذي اختُتم أمس في «دانة الدنيا»، بعد أيام من احتفال العالم بيوم العمل الإنساني الدولي. فبين المناسبة التي تذكّر العالم بقيمة التضامن الإنساني، والمنصّة التي تجمع صنّاع القرار والمنظمات الدولية والمبتكرين، الرسالة واحدة: العمل الإنساني لم يَعُد استجابة مؤقتة للأزمات، بل أصبح صناعة متكاملة للمستقبل.
وقد جاء «ديهاد 2026» ليجسّد هذا التحول، بما أتاح من مساحة تجمع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية والقطاع الخاص والخبراء، وتبحث في حلول تجعل الاستجابة للأزمات أكثر سرعة ومرونة واستدامة.
ومن هنا يمكن فهم الشراكة الإماراتية مع برنامج الأغذية العالمي بصورة أوسع من مجرد أرقام للمساعدات. وبحسب تصريحات البرنامج المنشورة في صحيفتنا «الاتحاد»، فالإمارات قدّمت خلال السنوات الخمس الماضية نحو 370 مليون دولار لدعم عمليات البرنامج، لكن الأهم أنها توفر أيضاً بنية لوجستية وممرات وصول، وتشارك في تحديد الأولويات، وتستثمر في إعداد قيادات شابة للعمل الإنساني.
ولعل ما شهدته فعاليات «ديهاد 2026» من حلول إماراتية، مثل منظومة «معين» للذكاء الاصطناعي في العمل التطوعي، يقدّم مثالاً عملياً على هذه الرؤية. فالتقنية لم تَعُد ترفاً، وإنما وسيلة لتنظيم البيانات وتسريع الإجراءات وتحسين القرار، مع إبقاء الإنسان في موقع المراجعة والمسؤولية. وهذه المعادلة مهمة، لأن مستقبل العمل الإنساني لن يكون في استبدال الإنسان بالآلة، بل في تمكين الإنسان بأدوات أكثر ذكاءً.
وفي الداخل أيضاً، تتخذ الشراكة الإنسانية شكلاً أكثر مؤسسية، كما في مبادرة «بيتي» التي توحّد جهود جهات حكومية وخيرية لتوفير مساهمات تصل إلى 500 مليون درهم خلال خمس سنوات لدعم الإسكان. ومثل هذه المبادرات تكشف أن مفهوم العمل الإنساني في الإمارات يمتد من إغاثة المنكوب إلى تعزيز استقرار الأسرة والمجتمع، ومن معالجة الاحتياج الآني إلى بناء حياة أكثر أمناً واستدامة.
ولذلك فإن تزامن «ديهاد» مع أجواء يوم العمل الإنساني الدولي ليس مجرد تقارب في التوقيت، وإنما فرصة لإعادة تعريف معنى العطاء نفسه. فالعالم الذي يواجه أزمات متشابكة، وفجوات تمويلية متزايدة، وملايين البشر المهددين بالجوع والنزوح، يحتاج إلى نموذج لا يكتفي برد الفعل، وإنما يبني القدرة على الاستباق.
وهنا تتقدم الإمارات، ومن دبي تحديداً، منصة لا تستضيف الحوار الإنساني فحسب، ولكنها تساعد على تحويله إلى حلول وشراكات ومشروعات قابلة للتنفيذ. فالعطاء بالرؤية الإماراتية لا يكتفي بالتعامل مع الأزمات، بل يبني الأدوات التي تمنع امتدادها، ويستثمر في الإنسان قبل أن يتحول الاحتياج إلى كارثة، وستظل الإمارات دائماً منارة للعمل الإنساني.