لم ولن تكون صفقة انضمام الدولي المغربي، أيوب بوعدي لمانشستر سيتي مجرد رقم صاخب يستنفر أقوى الصفقات التي يحفظها عن ظهر قلب سوق الانتقالات، ولا مجرد انتقال فتى مغربي في الثامنة عشرة من عمره إلى واحد من أكبر أندية العالم. إنها، في جوهرها، شهادة اعتراف استثنائية بأن هذا الشاب يملك شيئاً لا يُشترى بالمال.. موهبة من طينة نادرة، وذكاء كروي يجعل القدم تسبق العين، والعقل يسبق القدم.
حين يدفع مانشستر سيتي 100 مليون أورو، بالمنح والمكافآت، لانتداب بوعدي من نادي ليل الفرنسي، في صفقة أصبحت هي الأغلى في تاريخ انتقالات لاعبين من الدوري الفرنسي إلى الخارج، فإن الأمر يتجاوز الإعجاب العابر. إنه رهان على لاعب لم يبلغ بعد التاسعة عشرة، لكنه لعب في كأس العالم ست مباريات، بدأ خمساً منها أساسياً، وفرض نفسه وسط كبار الكرة العالمية، والمباراة أمام البرازيل، تذكره نيزكاً خطف من السحرة سحرهم ومن الراقصين فنهم.
بوعدي لا يملك ميزة واحدة حتى نقول إنه متخصص فيها. هو يُتقن كل شيء، يقرأ اللعب، يستلم الكرة تحت الضغط، يغيّر الاتجاه، يمرّر إلى الأمام، يحمل الكرة، يفتكها، ويملك تلك اللمسة التي تمنح الفريق إيقاعاً مختلفاً. والأجمل أنه يلعب كرة القدم وكأنها مساحة مفتوحة للخيال، لا دفتر تعليمات مغلق.
لكن السؤال الذي سيلاحق بوعدي في مانشستر سيكون ثقيلاً: هل يستطيع الأسد الصغير أن يعوّض رودري الفيزيائي والكيميائي ورجل الفضاء؟
الجواب، في رأيي، يجب أن يبدأ من رفض المقارنة، ليس لأنها لا تجوز، ولكن لأنها من أساسها ظالمة. رودري لم يكن مجرد لاعب ارتكاز، كان ضابط إيقاع، ميزان السيتي ومهندس توازنه. لذلك سيكون من الظلم أن نطلب من بوعدي أن يكون رودري جديداً. المطلوب أن يكون بوعدي الأول.
فالسيتي لا يشتري نُسخة من الماضي، وإنما يستثمر في مستقبل مختلف. وقد كشفت التقارير أن النادي كان ينظر إلى بوعدي كاستثمار طويل الأمد، حتى إن مدربه الجديد إنزو ماريسكا يريد دمجه سريعاً في الفريق الأول.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي: هل ستكبر ملكاته الفنية في فضاء السيتي، أم سيبتلعها ثقل القميص والرقم والانتظار؟
أميل إلى الاحتمال الأول. لأن اللاعب الذي أدهش العالم وهو في الثامنة عشرة، لا يحتاج إلى من يعلّمه كيف يلعب، بل إلى من يمنحه المساحة والثقة والوقت.
في السيتي، سيجد «آينشتاين الصغير» كرة تشبهه: استحواذ، تمرير، حركة، جرأة، وحرية في صناعة الحلول. وهناك قد لا يصبح بوعدي خليفة رودري، بل شيء أكثر إثارة: أول أيوب بوعدي في تاريخ مانشستر سيتي.
وهذه، بالنسبة لكرة القدم المغربية والعربية، ليست صفقة لاعب فقط، بل لحظة تقول إن مواهبنا لم تَعُد تطرق أبواب الكبار.. لقد أصبحت الأبواب تفتح لها، لتدخل من دون استئذان.