قريباً، عند ناصية خير جليس ستزهر أجنحة بثمرات مذاقها زنجبيل، ولونها بسحنة الغيمة، وسمتها برونق الذين أورقت أشجارهم كلمات برائحة الليل عند شموع العكوف على كلمة كأنها المصباح المنير يرتب المعنى، ويحوك معاطف الوعي، ويرسم صورة الثقافة بأنامل نتحتت على الورق طيات، أكاليل الهوى، وكل ما جاشت به أحلام عشاق راودهم الليل بوجه شعاعه من بريق عيون كحلها من سواد المقل. 
قريباً العالم الثقافي على موعد مع الألفة المجللة بدفء الحنايا، وشغب القلوب التي تستلهم من الكتاب خلاً وفياً وظلاً يمنح الخطوات دفقها، يمنح الرموش رقتها، ويمنح روعة النمنمة بين مفردة ومفردة، بين تغريدة وأخرى، وما بين الكلمات تبدو الأحلام طيوراً تحلق بين جناح وناصية، وبين منصة ومقعد شيمته الكلام المنمق، وصورة تبتهج لها الحكاية الأزلية في وجدان من عشقوا التدحرج بين كلمة وكلمة، وما بينهما تستبق العناقيد بعضها بعضاً. 
الهوى أشواق تستمر في المثول أمام كتاب يمنحها الحيلولة دون الإغماضة، دون السكون، ولأن في أحشاء الكتاب يكمن الدر، وتكمن ذاكرة تحمل على الكفوف سطور التاريخ متباهية بما تعنيه الكلمة في تنسيق الزهور في باقة ولياقة، ورشاقة وأناقة، منقطعة النظير، والحياة، ما الحياة إلا كلمة تمر عبر هنا، شمالاً جهة القلب، وفي القلب، تسمق الشواهق، تسمق راية وسارية، وقافلة الكتاب تستتب، وتستلهم من تجارب التاريخ أمثولة وأسئلة، والسؤال الأعظم هو: لماذا لا نقرأ حتى يبيض وجه النهار، وتبدو الشمس قرصاً من حلم يتوهج، وأشياء أخر، تتساوى والنهار، وغموض الليل، ورمادية الغيمة؟
قريباً، يفتح الكتاب صفحاته، والكلمات مثل خيول تسابق الريح للوصول، وما الحياة إلا موعد مع الوصول، ولا يصل إلا من أحب الكلمة، كما تحب الفراشات رائحة الوردة، وكما تعشق المحارات وشوشة الموجة. الطريق يسرد قصة كلمة كانت في جعبة الليل ساكنة، ولما حرك الريح جناحيها حلقت ولمعت عيون المجد، هناك حيث تسكن الحقيقة، حيث تزلف الجياد قريباً من الحقول، قريباً من عيون الماء، والسواد الأعظم من الكلام ليس إلا رغوة الصابون، وقليله في المعنى شمعة ليل، وقرص نهار.
نستمر في الحلم، ونبني أعشاش طيورنا من سنابل وحبر، وتمضي القوافل، تمضي إلى جهة المدى، هناك حيث مضارب الزمن تحرضنا كي نعانق الكلمة بود وسد، ولا سدى، هناك نتغلب على خشخشة الريح وهي تحارب وعينا، وتجعلنا في الدنى شبه أشياء تنحدر من نجوم سقطت في الماء، فانهارت الكلمات مهشمة كأنها الجدران الخاوية. يستحق الكتاب أن نقبله، ونضعه على الرأس تاجاً في القلب، يستحق الكتاب أن نمنحه وقتاً يناسب مكانته، ونجعله في الحياة طريقاً تمر من خلاله عربة وعينا، نمر من بين دفتيه رموشاً تكحل وعيها بمعناه ومعطاه.