في الطريق إلى الكرة الذهبية في نسختها السبعين، لا أحد من النجوم، يعترف بأنه في حملة انتخابية، لكن الجميع يتحرك كما لو أنه يخوضها فعلاً!
طبعاً لا وجود لمنشورات انتخابية، ولا لتجمّعات حزبية، ولا لملصقات في الشوارع، إلا أن ماكينة التواصل اشتغلت مبكراً، بل إنها تدور بشكل جنوني، فكل مرشّح لهذه الجائزة الفخرية، يعرف تماماً كيف يضع نفسه في الصورة، وكيف يقول: «أنا لا أبحث عن الكرة الذهبية»، ثم يضيف جملة صغيرة اعتراضية تكفي لنفهم العكس تماماً!
هنا بالضبط تكمن طرافة السباق.
عثمان ديمبيلي المتوّج بالكرة الذهبية السنة الماضية، يختار طريق التواضع ليقول، لا أصوّت لنفسي، ولا أضع نفسي في مثل هذه الأشياء. كيليان مبابي في المقابل يبدو أكثر حذراً، لكنه لا يُخفي طموحه، لطالما أن اللعب لريال مدريد يجعل الحديث عن الكرة الذهبية أمراً طبيعياً، بل أمراً بديهياً، كما أن في تقدير كيليان هداف الليجا وهداف آخر نسخة لكأس العالم والهداف التاريخي للمونديال، أنه قدّم ما يشفع له أن يحضن أخيراً «البالون دور». أما البرشلوني لامين يامال، فلا يريد أن يختبئ خلف الكلمات، إنه يجهر برأيه، أنا ومبابي الأفضل، لكنني أستحقها هذا العام.
ثلاثة لاعبين، وثلاثة أساليب في قول الشيء ذاته، هذه الكرة الذهبية مكانها في خزانتي!
ولم لا؟ كرة القدم، في أعلى مستوياتها، ليست لعبة للمتواضعين أكثر مما هي لعبة للموهوبين. اللاعب الذي يصل إلى القمة يحتاج إلى قدر من الغرور الجميل، ذلك الذي يجعله يؤمن بأنه قادر على أن يكون أفضل من الجميع. المشكلة ليست في الأنا، بل في أن تتحول الأنا إلى غرور أعمى.
والحقيقة أن الكرة الذهبية صنعت شيئاً جديداً في كرة القدم، لم تَعُد الجائزة تُحسم فقط فوق العشب، بل صارت لها حياة موازية أمام الكاميرات، في التصريحات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي. اللاعب لم يَعُد يبيع مهاراته فقط، بل يبيع أيضاً صورته، قصته، شخصيته، وحتى «تواضعه».
وهنا يصبح ديمبيلي، الذي يقول إنه لم يكن يوماً «المختار»، أكثر دهاءً مما يبدو. ويصبح مبابي، حين يتحدث عن «القصة» و«السردية»، أكثر وعياً من غيره بقواعد اللعبة الجديدة. أما يامال، ابن التاسعة عشرة، فلا يحتاج إلى كثير من الحسابات، فجرأته جزء من شخصيته، وطموحه لا يحتاج إلى اعتذار.
لكن وسط كل هذا الضجيج، يبقى السؤال الحقيقي بسيطاً: من كان الأفضل فوق الملعب؟
فالكرة الذهبية ليست جائزة لأكثر اللاعبين تواضعاً في المؤتمرات الصحفية، ولا للأكثر براعة في إدارة صورتهم، وإنما لمن ترك أكبر أثر حين كانت الكرة بين قدميه. لذلك، ليتقدم الجميع إلى المنصة، وليعلن كل واحد منهم أنه يستحقها. فالأنا جزء من اللعبة، والطموح ليس عيباً.
لكن في النهاية، هناك حَكم واحد لا يجامل أحداً، المستطيل الأخضر، وما تركه منقوشاً في ذاكرة المصوّتين.


