تنتهي المعارض في أوقاتها المحددة، أما الكتب فلا تعرف معنى إسدال الستار. حقيقة تبقى معنا ونحن نودّع اليوم معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين، فعندما تغلق القاعات أبوابها، تبدأ الكتب رحلة أخرى، من أجنحة المعرض إلى البيوت، ومن رفوف المكتبات إلى عقول وذاكرة القراء، ومن صفحاتها إلى الأفكار التي قد تغيّر شيئاً في حياة إنسان.
على مدى أيام، عاشت عاصمتنا الحبيبة أبوظبي عرسها الثقافي السنوي، وبدت المدينة وكأنها تفتح نوافذها على العالم. كتب وإصدارات جديدة، جلسات وندوات، حوارات، أسماء وتجارب من ثقافات مختلفة، وكل ذلك في مشهد يؤكد أن الكتاب لا يزال قادراً على جمع الناس حول فكرة، مهما اتسعت المسافات بينهم، وفي معرض ينمو ويكبر عاماً بعد عامٍ.
وفي قلب هذا المشهد، حضرت جائزة الشيخ زايد للكتاب، محتفية بدورتها العشرين، لتقول إن تكريم المعرفة والإبداع ليس مناسبة عابرة، بل مسيرة تتراكم عاماً بعد عام.
قيمة هذه الجائزة تحديداً لا تكمُن في المقابل المادي لها بقدر ما تكمُن في الاسم الذي تحمله والمنقوش في قلوبنا، اسم الوالد المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بما يمثله من إرث جعل الثقافة جسراً بين الإنسان والحضارات، والمعرفة طريقاً إلى بناء المستقبل.
الأرقام التي صنعتها الجائزة خلال عقدين تختصر جانباً من الحكاية: أكثر من أربعة آلاف ترشيح من 74 بلداً في دورتها العشرين، ونحو 33 ألف مشاركة من قرابة 80 دولة منذ انطلاقها عام 2006، فيما بلغ عدد المكرمين 144 فائزاً وفائزة من الأدباء والمفكرين والباحثين والمؤسسات الثقافية.
ما يلفت أكثر الأثر الذي يتجاوز لحظة التتويج. فمنذ عام 2018، أسهمت الجائزة في نقل أكثر من 50 عنواناً إلى 12 لغة، ليجد الكتاب العربي طريقه إلى قراء جدد، ولتتحول الترجمة إلى جسر فعلي بين الثقافة العربية والعالم.
ومن هذا المعنى جاء تكريم الفنانة المصرية نجاة الصغيرة «شخصية العام الثقافية» ليؤكد أن الثقافة أوسع من الكتاب نفسه. فالأغنية أيضاً ذاكرة، واللغة يمكن أن تحملها حنجرة كما يحملها قلم، والفن قادر على أن يصل إلى وجدان أجيال كاملة.
يسدل المعرض أستاره اليوم، لكن أبوظبي لا تطوي كتاب الثقافة معه. فما يبقى ليس عدد الزوّار ولا صور الافتتاح والختام، وإنما كتابٌ انتقل إلى يد قارئ، وفكرةٌ وجدت طريقها إلى عقل، وحوارٌ فتح نافذة على ثقافة أخرى. ذلك هو انتصار الكتاب الحقيقي: أن ينتهي المعرض، وتبدأ أجمل الحكايات.