استكمالاً لحديث الأمس، عن أثر الكتاب الممتد، ونحن نعيش أجواء النجاح الكبير للدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، نتوقف اليوم عند إصدار يحمل قيمة تتجاوز صفحات الورق، لأنه يوثق تجربة إماراتية امتد أثرها لعقود، ووصل صداها إلى مجتمعات واقتصادات حول العالم.
إنه كتاب «صندوق أبوظبي للتنمية: الأيادي الإماراتية لصناعة الرخاء العالمي»، الذي أطلقه الصندوق خلال المعرض بالتعاون مع «تريندز للبحوث والاستشارات»، موثقاً مسيرة تنموية وطنية بدأت عام 1971، وترجمت على مدى 55 عاماً رؤية الإمارات ونهجها في التنمية والعطاء والشراكة.
قيمة هذا الإصدار لا تقف عند حدود التوثيق أو استعراض محطات الماضي، بل تتجاوزها إلى قراءة تجربة مؤسسية تطورت أدواتها وأدوارها مع تطور احتياجات التنمية والتحولات الاقتصادية العالمية. فمن تمويل المشاريع ذات الأولوية، إلى توسيع الشراكات الدولية، وصولاً إلى قيادة الاستثمارات المستدامة ودعم الاقتصاد الوطني وتمكين الصادرات الإماراتية من الوصول إلى الأسواق العالمية، تتشكل أمام القارئ ملامح مسيرة تنموية متصلة.
وفي خلفية هذه المسيرة، يحضر إرث الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أرسى فكراً تنموياً جعل من العطاء والشراكة والتعاون قيماً راسخة في النهج الإماراتي. ومن هذا الإرث، انطلقت رؤية تنظر إلى التنمية باعتبارها أثراً إنسانياً يتجاوز الجغرافيا، ويمنح المجتمعات أدوات النمو وفرص المستقبل.
يتألف الكتاب من 6 فصول متكاملة، تبدأ بالفكر التنموي للشيخ زايد ودور الإمارات في دعم التنمية عالمياً، ثم تتناول رحلة الصندوق نحو الريادة وأبرز أدواره التنموية، وامتداده الجغرافي وأولوياته القطاعية، وأدوات التمويل التنموي ونماذج المشاريع ذات الأثر المستدام.
ويخصص الكتاب فصله الخامس للاستثمارات المستدامة وتعزيز تنافسية الصادرات الإماراتية، قبل أن ينتقل في فصله السادس إلى استشراف مستقبل عمل الصندوق.
واللافت أن الكتاب لا يريد أن يبقى وثيقة للماضي، فقد تقرر ترجمة نسخه إلى لغات عدة، وتوزيعها على مكتبات الجامعات والأكاديميات التعليمية، ليصبح مرجعاً للباحثين والطلبة والدارسين في مجالات تمويل التنمية والاستثمار المستدام والتعاون الاقتصادي الدولي.
وهنا تتجلى أهمية الكتاب، فهو لا يوثق ما أنجزه صندوق أبوظبي للتنمية فحسب، وإنما يحفظ جانباً من قصة التنمية الإماراتية، ويضعها أمام الأجيال المقبلة.
الإنجاز حين يوثق يصبح معرفة، والمعرفة حين تنتقل إلى الأجيال تصبح أثراً مستداماً. وتلك، في جوهرها، هي صناعة الرخاء.