هنيئاً لمن طال عمره وحسن عمله، هكذا تقول العرب، وهكذا حين يطول العمر بالعمل! وفي هذه الحياة هناك قصص كثيرة ومتفرقة من أنحاء بقاع العالم، ضرب فيها الإنسان مثلاً حيّاً لكيف يمكن أن تكون الحياة الحقيقية، غير أن مثلنا اليوم سيكون الرئيس الفرنسي الأسبق «فاليري رينيه ماري جورج جيسكار ديستان» الذي ظل يعمل حتى بلغ من العمر عتياً، قضاه جله في أعمال تخص الوطن وتبر المواطن الفرنسي، ورغم أنه تلميذ غير مطيع لديجول، زعيم فرنسا التاريخي، لكنه لم يمنعه أن يختلف ويتقاطع معه في الرأي، ويتفقان على حب فرنسا.
فاليري جيسكار ديستان أصبح رئيساً لفرنسا، وبعد انقضاء فترة عمله في قصر الإليزيه، رجع مواطناً عادياً في قريته الصغيرة، ولأنه رجل يحب التاريخ ويحب العمل عاد لينتخب عمدة لقريته الصغيرة، لأنه كان يعتبر فرنسا كلها قريته وأهله، ويعتبر قريته الصغيرة فرنسا كلها، كما كان عضواً في البرلمان، ووزيراً لأكثر من وزارة في العهود السابقة، ولأن فرنسا كانت إحدى ركائز الاتحاد الأوروبي، أصبح هو واحداً من أكثر مهندسي هذا الاتحاد، غير أن العمل السياسي الطويل لم يجعله يدفن مواهبه التي تختص في الكتابة والعمل الأدبي، فألّف روايات وكتباً ليضمن لنفسه ولاسمه الديمومة والاستمرار، أحد كتبه رواية تخص علاقة رئيس فرنسي بأميرة بريطانية.
نضال ديستان لم يقف عند حد السياسة والكتابة أو أن يكون سفيراً إنسانياً للنوايا الحسنة، ومحاضراً في الجامعات والمحافل الثقافية، إنما هذه المرة قبل سنوات حينما أراد أن يدخل صرحاً من صروح الثقافة والحضارة الفرنسية وهي الأكاديمية الفرنسية التي تضم أربعين مقعداً لأربعين شخصية متفردة ومتميزة في الثقافة وعلوم الحضارة أو كما يعرفون بـ «الخالدون».
وأن تدخل قلعة حصينة مثل هذه يتطلب من المرشح أن يكون ذا مواهب وأخلاق وتاريخ، لقد كانت بوابة هذه الأكاديمية تقفل في وجوه الكثير من الطامحين والكثير ممن خان بهم العمر، ديستان تفوق على ستة من منافسيه، حيث نال 19 صوتاً من أربعة وثلاثين صوتاً لينهي جدلاً طويلاً بين الشارع السياسي والشارع الثقافي، وصراعاً بينه وبين رئيس الأكاديمية الذي نعت رداءة كتب ديستان وبعض مواقفه الشخصية السابقة من الزعيم ديجول، وما كان يؤخذ عليه أيضاً أحاديثه مع المراسلين الأجانب باللغة الإنجليزية، وهذه تعتبر صفة معيبة للمرشح الذي سيلعب دوراً مستقبلياً في تنقية اللغة الفرنسية من الكلمات الأجنبية، كما يتطلب منه إحياء كلمات قديمة أو ابتكار كلمات جديدة تدعم اللغة التي تصارع للمحافظة على مكانتها عالمياً.
بدخول ديستان الأكاديمية، أصبح الرئيس الفرنسي الخامس الذي تطأ قدماه هذا الصرح الذي أسس عام 1635م على يد الكاردينال دي ريشيليو، وأعقب في ذلك الرئيس السنغالي السابق الذي توفي عام 2001م، والشاعر ليوبولد سيدار سنغور، وسبقه الرؤساء الفرنسيون «ادولف تيير» و«ريمون بوانكاريه» و«بول ديشانيل».
ديستان الذي لم يقنع يوماً فقط بلقب «مسيو لو بريزيسدان»!


