- لِمَ تأسرك نافذة مواربة على الخجل؟ لِمَ الباب الخشبي يشعرك بدفء صدر رجل صديق؟ لِمَ بيوت الطين بدلاً من كل البيوت تشعر روحك بالارتواء؟ لِمَ تحب شجرة التين، وشجرة الزيتون، والرمان، وعروش الأعناب، وكأنها تكفيك من شجر الجنة؟ لِمَ حين يمر يومك بلا أذى تقول: أحسبوه من عمري؟
- لو دخلت مدينة ما، ووجدتها بلا ريح تلعب في زواياها، ولا نسمة آتية من جهة بحرها، ولا حس لدبيب الأقدام في دروبها، الكل ساكن ومهادن، الأبواب مغلقة، والنوافذ صامتة، والشوارع خالية، ولا أحد في ذاك الفضاء، إلا أنت كسيد وحيد في تلك المدينة، فهل تقبل التتويج بلا صخب، أم أن الحياة هم الناس وضجيجهم؟
- ليس أجمل من عطر امرأة موسيقيّة بعد أدائها عزفاً ساحراً على كمانها الذي يشبه طفلاً نائماً على كتفها، حتى تماهت أصابعها مع القوس الوتري، مع ذلك الخشب الناطق، والشعر ينزاح ساكناً ضفة واحدة من نهر وجهها، لقد غدت ساعتها مثل لوحة رسام يستمطر الألوان، ويستدعي الريح لعرس غاب صاخب، مكللاً بفتنة الماء، وغواية الظلال، تغادر تلك الموسيقيّة ناسية شيئاً من عطرها في أنفك، وكثيراً من عزفها في رأسك، وتلك اللوحة الأيقونة كُحلاً لعينك، لِمَ شعرت حينها أنها أيقظت في روحك رائحة امرأة نذرت نفسها للمعبد؟
- لِم َحين يستجد خطب أو ترهق الروح أو يأتي تعب ويتسلل إلى النفس، جاعلاً الخطى متثاقلة، والأمور غير متوازنة، تريد أن تهرب إلى مدينة مسقط الرأس، وإلى النخلة التي دفن تحتها شعرك، زغب الولادة الأول، والتي كبرت معك، والتي تحب ظلها كأبرد شيء، والتي تظل تتذكرها في نهار مسافات المدن، والتي تتمنى أن تكون الغفوة الأخيرة تحت سعفه؟ لِمَ تستدعيك مدينتك ونخلتك في ساعات الوجع، وساعات الفرح الجماعي؟ تريد التوحد بها، والانزواء فيها، لِمَ تهدأ الروح فيها، وتسكن عندها؟ ربما لأنها مكان الفرحة الأولى التي عرفتها، مطرح البراءة التي عشتها، وحيث أنت كما كنت أنت، تتساوى عندك الأشياء، يدهشك صغيرها، ولا يعني لك كبيرها، المهم أن تخرج بلا شر، ولا تقدم إلا على خير، ولا يقتص منك مظلوم، ولا تعرف نفسك إلا الحب، والمعنى الكبير، الشكر والإيمان.


