وطن فيه الفرد جذر وثمرة، لا تجف أغصانه، ولا تكف ألحانه عن الترنيمة الرقيقة، ولا تقف خطواته عند خط أو خطوة، بل هو وطن تحرسه النوايا الحسنة لأفراد ينعمون بقدرات كأنها السرد في ضمير الطير، وكأنها الوعد في سجايا النخلة الباذخة.
وطن هكذا سبره، هكذا سيرته، لا يتوقف نجمه عن الوميض، ولا ترتجف له ياقة، ولا تخف لياقة، ولا تجف باقة، إنه وطن في رعيل الأولين والحاضرين جملة مفصلة في رواية مدها النثر على صفحات التاريخ، محمل بتطلعات الغيمة وهي تحكي قصة النهوض لوردة برية، عطرها الفواح جزل وعدل ونهل، وبذل، وحبل يمتد من وريد الحياة حتى شريان القلوب العاشقة لجمال وكمال، وسؤال إجابته محفوظة في دفاتر الذين يسهرون على كتابة قصيدة الوطن على سبورة الفرح.
 وطن هكذا فيه العشق ينمو كما تنمو الزهرات على وجنات دمها شهد، واسمها في السماء نجمة لا يغمض لها حلم، ولا يغفو وميض، وطن هكذا يحلِّق مع الطير، وأجنحته من قدرات ومهارات وإبداعات وبلاغة ونبوغ، فلا مجال لمجاراته، ولا مجال لمحاكاته، إنه وطن سره في ألحانه المستقاة من صهيل الخيل المسومة، وترنيمة عشقه من تغريدة حمامة تمر على القلب، تلهمه كيف يكون الحب برداً وسلاماً، ويكون نسقاً متساوياً، يكون وئاماً، يكون في الحياة حياة، لا تغشاها غاشية، ولا تعيقها فاشية، إنه وطن العشاق ولا غير العشاق الذين يلونون ترابه بدمعة شوق ولمعة بريق، في عيون ألهمها الله ومضة دون غمضة، ومنحها سوية العطاء، وحلماً لا يخيب، ولا يغيب عن مشهد، ولا يصيب إلا الصواب في معطياته ومنجزاته، وكل ما ترنو إليه الروح، وكل ما يصبو إليه القلب. وطن الفرد فيه عرف وعزف وغرف، وحرف في أول الكلمة، وآخرها سكن، وطن فيه الفرد من إرث قويم جاء، ومن بذل مستقيم حط حاله كي تمضي القوافل، والصحراء كف تمنحه من عطر الخضاب بهجة، ومن لون الأحمر القاني بعضاً من سارية علم، وتقول هيا، كن في العلا نهراً تشرب منه الغيمة، لترتشف الأفواه من عذب ومن حدب ومن سكب، ومن سحابة العيون السود نجلاء وشهلاء، في سرها الفصل والنصل، وفي التفاصيل يكمن وطن، علَّم العالمين كيف يكون العشق، للأحداق كحل، وللرموش هدب التفاصيل في ثنايا السؤال الأعظم، وجوابه نحن أبناء زايد الخير، من خيره شربت خيول الحياة وارتوى الطير، ومن فضله انتعشت دروب، وفاض ضياؤها، من جزلة تنعمّت قصائد البذل عطاء وصفاء قريحة، وطن هذا إرثه، هذا نسله، هذا جزله، هذا فصله، هذا أصله، هذا بعضه، هذا كله، لن يرتخي له حبل، ولن تلين له عزيمة، لأنه تحت قيادة قائد عزم، يسوم الأفراد أرواحهم، فداء لأرض، فداء لمصير.