عرفت بيروت هذه المدينة المتألقة من خلال السينما والمجلات، زرتها لأول مرة عام 1977، يومها كانت في أتون الخراب، دخلتها عن طريق سوريا بالطريق العسكري ضمن رحلة مدرسية، زرنا وقتها قواتنا المسلحة المشاركة ضمن قوات الردع، وحده أبي سبقني إليها في عصرها الذهبي، وعرف نعيمها، بعدها تكررت الزيارات لها حتى نسيت العد.
بيروت إن كنت تحبها، فلا تعد أكوابها، بيروت الجميلة والمتألقة على الدوام، بيروت صباحات من ندى ونسائم تعرف طرقها للنفس، وتصاعدها للرأس طرباً، وتداعيات الروح، بيروت مساءات من ضوع للماكثات قبالة العين تسرق من حُسنهن حُسناً، بيروت وكم مرة كنت في بيروت، وقلت: آه يا بيروت، آه.. فرحاً بها، وما تحضّك عليه من أمر الكتابة، باتجاه الحرف والحب وما يمكن أن يسطرون، وآه.. منها لأنها تستولي عليك، وقلما تسمح لك بالمغامرة لجهة أخرى صوب الحلم والسفر وبحر غير بحرها.
الآن أتذكرها، وأتذكر صباحات أتمناها ليتها تبقى، هذه المدينة وحدها التي تبكي الآخرين على حالها، وطقوس حياتها:
صباح التفاصيل الصغيرة حول أماكن دافئة في «الحمرا» صباح اللقمة البسيطة، «منئوشة جبن وزعتر من سناك حماده»، الشاي الأحمر الذي يصنعه «عبد» على عجل، والذي يشبه شاي العمال الفجري، مكتب جريدة الاتحاد في بناية «صباغ»، حد مقهى «الأكسبرس» سابقاً، «بيتزا هت» حالياً، موقف السيارات المكتظ، وتلك الصعدة التي تحتاج إلى مهارة سائق متمرس، لا فتاة تحاول أن لا تزعج دوّاسة سيارتها النسائية، ولا تؤذي حذاءها ذا الكعب الرنّان، الوجوه التي تستقبلك في خاصرة «شارع الحمرا» صاحب كشك الكتب الذي نزعوه من زاويته، وركنته المقابلة للـ«ومبي» حيث شهد أحداث بيروت، واجتياحها.
اليوم كما غاب كشك بائع الكتب، غاب الـ«ومبي» وغاب«مقهى الـ«مودكا»، حيث كان يمكنك أن تسمع ثرثرات مثقفي بيروت، من فنانين وصحفيين وسياسيين وبحّارة مغادرين، يمكنك سماع بوح صعاليكها وزوارها وأخبارها، ودخانها، بعدها تحولت تلك المعالم التي تحتفظ بذاكرة المكان إلى«بوتيكات» باردة، تقترح أشكال ملابس لأناس قليلاً ما يأتون، وإن أتوا لا يشترون، تنازلت بيروت عن أناقتها الباريسية والإيطالية لصالح ثقافة« الكاجوال أغسل وألبس» الأميركية.
في «شارع الحمرا» تذكر صباحات ماسح الأحذية بعينه الكريمة، تلك التي يبصر بها وحدها، ويقول لك: فردة شمال! تلك التي يعرف أن يمسحها، فوحدها التي تراها العين الميتة حين يجثو الرأس، ويقارب موطأ القدم، الأخرس بائع اليانصيب، تتفاءل به، وبعافيته، لكنه لا يربّحك مرة، لتعطيه ما تعده به دائماً، البنك المرابي المختبئ منذ ويلات الحرب، لا يخصه إلا مال التحويلات، لقد بقي ذلك البنك قابعاً في زاويته في الطابق المسروق، يئن من رطوبة لا تزول حتى بعد أن عادت المدينة لرشدها، وأسكتت أصوات الرصاص، فضل أن يبقى مختبئاً يمارس الربا بحرفته القديمة، لا يملك جهازاً كمبيوترياً، ولا آلة للسحب النقدي، ولا يعترف ببطاقة ائتمان، ما زال الخيط الأحمر يربط أوراق ملفات زبائنه.
صباح الصديق المشتكي دائماً من أوجاع لا تخفّ، أوجاع آنية، وأخرى متوقعة، وأخرى مقترحة، مثل يتيم يئن وحده في مدينته، أوجاع الصحافة، وأثقال العائلة، ورسوم المدارس، وأعطال سيارته، وطلبات زوجته، وسفرات مديره المتكررة لبيروت، والأوامر المستعجلة التي تأتيه بشكل مفاجئ، وكثرة مشاريعهم المتسرعة خلال سفراتهم، كتلك التي يريدون أن يبنوا قصوراً من رمال في مصايف لبنان.. وغداً نكمل.