ما أجمل من أن تُكرَّم العقول وهي في بداية الطريق، وما أعمق أثر تحول القراءة إلى عادة يومية، والمعرفة إلى أسلوب حياة، والكتاب إلى رفيق يفتح أمام الأجيال أبواب المستقبل. من هذه الفكرة تنطلق أهمية «تحدي القراءة العربي»، الذي يحتفي اليوم بدورته العاشرة، برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في مشهد يتجاوز حدود المنافسة إلى الاستثمار في الإنسان.
أربعون مليوناً و286 ألفاً و428 طالباً وطالبة، من 60 دولة، رقم يختصر حكاية نجاح استثنائية، ويكشف عن شغف متجدد بالقراءة، ورغبة واسعة في اكتساب المعرفة. إنها مشاركة قياسية تعادل نحو 48% من إجمالي طلبة التعليم العام في الوطن العربي، وتؤكد أن الكتاب لا يزال قادراً على جمع الملايين حول هدف واحد، مهما تعددت اللغات والحدود والتحديات.
وحين يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن «مستقبل الأمم يبدأ من عقول أطفالها»، فإنه يضع أيدينا على جوهر التنمية الحقيقية، فالثروات، مهما عظمت، لا تصنع وحدها مستقبلاً مستداماً، ما لم تسندها عقول متعلمة، وشخصيات تمتلك القدرة على التفكير والتحليل والابتكار. والقراءة ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لبناء الإنسان القادر على فهم واقعه وصناعة غده.
جمال هذه المبادرة أنها لا تحتفي بالطلبة وحدهم، ولكنها تكرّم منظومة متكاملة تضم المدارس والمشرفين، وتفتح المجال أمام أصحاب الهمم والجاليات، في رسالة واضحة بأن المعرفة حق للجميع، وأن التميُّز لا تحدّه الظروف ولا الجنسيات. كما أن تخصيص 11 مليون درهم سنوياً للجوائز، وصولاً إلى 110 ملايين درهم خلال عشر دورات، يعكس حجم الرهان على القراءة بوصفها مشروعاً حضارياً طويل الأمد.
وتبقى القيمة الأعمق لهذا التحدي أنها لا تُقاس بعدد المشاركين أو قيمة الجوائز وحدهما، بل بما تتركه الكتب في نفوس الطلبة، وما تغرسه فيهم من فضول معرفي، واستقلال في التفكير، وانفتاح على ثقافات العالم، واعتزاز باللغة العربية التي حملت عبر قرون إرثاً علمياً وإنسانياً ثرياً.
الاحتفاء بأبطال القراءة اليوم هو امتداد للبداية لا خاتمة الطريق، كما أنه بداية لأسلوب حياة لبيوت تجعل الكتاب جزءاً من يومها، ومدارس تمنح القراءة مكانتها، ومجتمع يرى في المعرفة أساساً للتقدم. فالأمم التي تقرأ لا تكتفي بمواكبة المستقبل، وإنما تواصل السعي وبقوة لامتلاك القدرة على صناعته. وهنا يكمن جمال الرسالة التي يقدمها تحدي القراءة العربي: فالطريق إلى نهضة اللغة يبدأ من طفل يفتح كتاباً، ويظل الاستثمار في العقول هو الأبقى.