الأربعاء 27 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

جذور الإسلاموفوبيا في فرنسا

جذور الإسلاموفوبيا في فرنسا
12 أغسطس 2021 01:30

حوار: رشيدة العزوزي
ترجمة: أحمد عثمان

العصر الكولونيالي قالب رئيس للإسلاموفوبيا الفرنسية، حسب كتاب عالم السياسة أوليفييه لوكور لو غرانميزون، الذي درس تمثلات الإسلام والمسلمين في نهاية القرن التاسع عشر حتى حرب الجزائر من خلال النخب الفرنسية الأكاديمية، الأدبية والسياسية. ومنذ أربع سنوات، يسعى غرانميزون إلى الإجابة -بالرجوع إلى التاريخ- على سؤال: لماذا كان الإسلام والمسلمون أحياناً هدفاً لكراهية بعضهم في فرنسا، وبالتالي كان كتابه: «أعداء لدودون - تمثلات الإسلام وسياسات المسلمين في فرنسا خلال العصر الكولونيالي»، الصادر مؤخراً عن مطبوعات «لا ديكوفيرت». واعتماداً على مصادر مختلفة، متجاهَلة أو مستبعدة أحياناً، حلل هذا المتخصص في التاريخ الكولونيالي، ومؤلف العديد من الكتب، هذه التمثلات. ويدرّس أوليفييه لوكور غرانميزون العلوم السياسية والفلسفة السياسية في جامعة باريس-ساكليه-ايفري-فال ديسون. ومن كتبه: «استعمار، إبادة، عن الحرب والدولة الكولونيالية» (فايار، 2005)، «الجمهورية الإمبراطورية. سياسة وعنصرية دولة» (فايار، 2009)، «امبراطورية الأصحاء.. العيش في المستعمرات» (فايار، 2014). وفي هذا الحوار المترجم عن ( Mediapart) ونشر في الخامس والعشرين من أكتوبر 2019،  اقتراب من أفكار ورؤية غرانميزون حول جذور الإسلاموفوبيا في فرنسا.

  • لوكور لو غرانميزون
    لوكور لو غرانميزون

*كيف ترى الحملة الإسلاموفوبية التي نشهدها اليوم في فرنسا؟
- تحمل آراء إيريك زمور (كاتب وصحفي فرنسي مثير للجدل) كراهية نادرة وتقوده إلى المحاكم، وهو الذي حوكم من قبل مرتين بسبب تحريضه على الكراهية العرقية. هذه الآراء تشهد على جذرنة الخطابات الإسلاموفوبية في فرنسا. ولنضف هذا الإيضاح الرئيس: ما وراء هذه الجريمة، التي تعتبر شاهداً على سقوط سياسي ملحوظ ومخيف، يتبلور، تحديداً، ابتذال الإسلاموفوبيا التي تتبدى في أشكال متعددة من خلال العنف اللغوي والرمزي أو تلميحياً، التي يمارسها جانب كبير من النخب السياسية، الإدارية، البوليسية والأكاديمية، من اليمين كما اليسار. وهذه الإسلاموفوبيا النخبوية تشرعن نمو الإسلاموفوبيا الشعبية وتجازف بأن تجعل الأخيرة أكثر فاعلية وقوة، بما أنها جزء منتج من قبل هذه النخب، وبالتالي تستمد شرعيتها منها. وفي الواقع، قسم كبير منها يعتبر أن المسلمين أصبحوا من الآن فصاعداً تهديداً رئيساً للجمهورية، ومبادئها وعلمانيتها، لأنهم «عملاء» رئيسون «للاستبدال الكبير». وقسم آخر، مختلف بثقة، يرى أن المسلمين جسد غريب، تعيش أعضاؤهم في الأمة من دون أن تنتسب إليها. وتلك الإيعازات مكررة، لكي يبدي المسلمون «ولاءهم للجمهورية»، كما قال الوزير الأول السابق الاشتراكي برنار كازينوف. وكنمط يسعى إلى الأخوة أو الأبوية، تؤكد هذه الآراء ظهور شيء من عصر الشك المعمم يتهم الفرنسيين والأجانب المسلمين بأنهم لا يحبون فرنسا ومؤسساتها، بل و«قيامهم بانشقاق» يتمثل في تنمية «طائفة» مناهضة لوحدة البلاد. كلام مبتذل، مكرر مثير للغثيان من قبل عدد متنام من المسؤولين السياسيين وكتاب الافتتاحيات، تحديداً... 

* لماذا يعتبر العصر الكولونيالي قالباً رئيساً لفهم هذه الإسلاموفوبيا الفرنسية، كما رأيت في كتابك الأخير؟
- تغذت هذه الإسلاموفوبيا على الظروف العالمية والقومية. وكذا، على اعتداءات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وأيضاً تلك التي جرت في باريس، في فرنسا، ودول أخرى. جذور هذه الإسلاموفوبيا كولونيالية. فهم التاريخ الإمبراطوري للجمهورية الثالثة، من نهاية القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين، ضروري لفهم ما يجري اليوم. في الحقيقة، شهدنا عصرذاك بناء الإسلاموفوبيا العالمة، المعدة داخل المؤسسات اللامعة والمنتجة «للعلم»: كوليج دو فرانس، الجامعات الفرنسية المشهورة مثل السوربون وكبرى المدارس مثل «المدرسة الحرة للعلوم السياسية»، التي تسمى اليوم «مدرسة العلوم السياسية». في هذه المسائل، قام أرنست رينان بدور جوهري لأنه، في منعطف القرن، جمع ثلاث مشروعيات: أكاديمية، أدبية وعلمية، ككاتب كبير -كما يشهد انتخابه في الأكاديمية الفرنسية- وأخيراً كأحد كبار الآباء الروحيين للجمهورية الثالثة. أيضاً، هل كانت لديه أذنا جول فيري، مثلاً، الذي استعار منه «نظرية المستبد العادل» كنظام سياسي وحيد يلائم المستعمرات لضمان الدفاع بفاعلية عن النظام الكولونيالي الذي فرضته فرنسا على الأراضي المستعمرة وشعوبها الخاضعة. وبالتالي، على «أبناء البلاد» الذين ينظر إليهم كأفراد أدنى على كافة المستويات لأسباب إثنو-عرقية، وفي حالة خاصة، كـ«أولاد بلد» مسلمين، لأسباب متعلقة بالإسلام كدين وحضارة. تأثير بعض أطروحات رينان، في الواقع، وبعض نصوصه وندواته حققت ما أسميه «النزعة الرينانية» التي أثرت طويلاً في عدد من العلوم مثل التاريخ، البسيكولوجيا «الإثنية»، الإثنولوجيا، السوسيولوجيا الكولونيالية والقانون الكولونيالي، تحديداً. ومن اللازم أيضاً إضافة الأدب الكولونيالي إليها، بما أن هناك روايات رجعت ضمنياً إلى أطروحات رينان، وبعض الروايات تحققت بفضل تصوير شخصيات نمطية. حينما كان رينان يعبّر عن أفكاره في مقالات أو ندوات، كان من يقرؤه ويسمعه -وهذا لأسباب مذكورة- يسعى إلى إدراك «العلم»، وهذا يساهم في فهم الاستقبال الاستثنائي لأطروحاته عن الإسلام. إلى هذا الانتشار، الذي أعنيه بصفة الأفقي، أضيف الانتشار الرأسي: أي الذي يتعلق بأعمال التعميم الموجهة لقاعدة كبيرة من القراء. أذكر «القاموس العالمي الكبير للقرن التاسع عشر» الشهير (1869) لبيير لاروس وبعض الكتب الدراسية الصادرة زمن الجمهورية الثالثة والموجهة للتلاميذ. وفي الحالتين، نكتشف، تحت أشكال مجهزة للجمهور المستهدف، أساس تحليلات رينان. ومن هنا، أيضاً، ظهر تطور الإسلاموفوبيا الشعبية على كل حال من خلال السلطات العامة التي دعمت كتب التلاميذ وكونت المعلمين.

الماضي الكولونيالي
* إذن، وقبل أي شيء، هل وصلنا إلى هذه الدرجة من الحقد والخلط إزاء المنتمين إلى الإسلام بسبب ماضٍ كولونيالي لم يتلاش بعد؟
- في بعض الحالات، العلاقات بين الإسلاموفوبيا الأكاديمية في نهاية القرن التاسع عشر والإسلاموفوبيا المعاصرة من الممكن إثباتها بكل تأكيد. بعض الأمثلة، استدعى محرر جريدة «لوفيغارو»، إيفان ريوفول أرنست رينان لكي يضيف إلى قدحه المناهض للمسلمين لمسة ثقافية لكي يمررها كتحليل «عميق» و«مسؤول»، وبالتالي مشروع بما أنه يتكئ على نتاج بروفيسور الكوليج دو فرانس. عملية كلاسيكية للغاية، تحركها إرادة تحويل الآراء العامة إلى آراء علمية مزعومة! هنا، المقولة تصبح دليلاً سلطوياً يحل محل سلطة الدليل، أو تبحث عن إخفاء ضعفها الكبير. في اليمين المتطرف، هناك أيضاً، بعضهم مثل جون-جيل مالياراكيس، الذي كان عضواً في حركة «الغرب» ثم «الطريق الثالث»، والذي يبتعث نصوصاً إسلاموفوبية بقوة. مثل أعمال المستشرق هنري لامنس «الإسلام - إيمان ومؤسسات» (1926) و«من هو محمد (صلى الله عليه وسلم)؟» (1910)، الذي أعاد مديرها مالياراكيس نفسه نشرها من قبل مطبوعات «تريدان»، والذي أخذ يؤكد على أن هذين الكتابين يؤسسان «من دون شك طريقاً ملكياً» لمعرفة الإسلام بصورة أفضل! وبالمثل، من ناحية موقع «مساواة ومصالحة»، الذي يديره آلان سوريل، والذي نشر كتيباً بعنوان «أرابيسك» (2012)، راكم في متنه مراجع وجوه بارزة لكي ينتقد الإسلام، والمسلمين، وقد نعتهم بكل سلبية. وعلى وجه العموم، ما وراء هذه الأمثلة، المقاربات الخطابية والتدليلية بين إسلاموفوبيا الأمس العلمية وإسلاموفوبيا اليوم النخبوية واضحة في كثير من النقاط. وهذا الماضي الكولونيالي بالتالي ليس ماضياً قد ولى. على العكس، إنه ماض حاضر معصرن ومجيّش بوساطة من يرى أن الدين الإسلامي وأتباعه يشكلون تهديداً بالنسبة لفرنسا والمؤسسات الجمهورية. ومنذ ذاك، الإسلام ينظر إليه كمشكلة سياسية وأمنية، ومن غير المدهش أنهم استعملوا أيضاً استعارات وبراهين مجيّشة من قبل في سياقات مختلفة.

* هل يفاقم رفض فرنسا النظر إلى ماضيها الكولونيالي هذه الوضعية؟
- على عكس قوى كولونيالية قديمة اعترفت بممارسات بالغة السوء ارتكبتها في مستعمراتها ما وراء البحار، ترفض السلطات العليا للدولة الفرنسية الاعتراف بما ارتكبته. الأسوأ، تتنامى الإسلاموفوبيا النخبوية منذ ذاك داخل سياق إحياء التاريخ الكولونيالي والعودة إلى «الرواية الوطنية-الجمهورية الكبرى» و«الاستعمارية-الجمهورية». ورد الاعتبار هذا ليس من فعل اليمين المتطرف فقط، فقانون 23 فبراير 2005، وطد رسمياً «العمل المنجز» من قبل فرنسا في شمال أفريقيا وأماكن أخرى. في هذا الصدد، يقوم يمين الجمهورية بدور رئيس. تضمن وجوهاً مثل ماكس غالو في الأمس، آلان فينكلكراوت وباسكال بروكنر اليوم، من دون نسيان إيريك زمور، هذا التراجع المذهل باستعادة كل ما هو مبتذل عن «ميزات» الاستعمار الفرنسي، الذي جلب «الحضارة» إلى الشعوب التي تجهلها، والمسلمون منهم بالأخص. المسلمون الذين ينظر إليهم على اعتبار كونهم مختلفين جذرياً، وهي اختلافات متعذر تبسيطها، ولهذا السبب هم «دونيون» ومهددون، بما أنهم معارضون لكل اندماج حقيقي. وإلى هذا يضاف عامل مهم: إنكار -لأسباب قديمة ومتعددة- غالبية النخبة السياسية في هذا البلد لأهمية الهجرة الكولونيالية فجر الحرب العالمية الأولى، ثم ما بعد الكولونيالية، ما بعد الاستقلال. هذه الهجرة، المسماة «غرائبية» أثارت قلق السلطات العامة وأخصائي الجمهورية الثالثة، بسبب الصفات الإثنو-عرقية والدينية. المهاجر «المسلم» ليس فقط تجسيداً لتهديد يثقل كاهل المستعمرات الفرنسية، وإنما أصبح خطراً على أمن الأشخاص والممتلكات، على الأمن الصحي والأخلاقي في فرنسا نفسها. وبذا تم اعتماد مقاييس مبالغ فيها عن الحق العام والتي تقلص حرية الانتقال المفروضة على هؤلاء المهاجرين كما نص قانون 1924 الذي يسعى إلى مكافحة هذا «الغزو السلمي».
(***) رشيدة العزوزي، صحفية فرنسية من أصل جزائري، متخصصة في الشأن السياسي-الاجتماعي. لها العديد من المقالات والدراسات المنشورة في مختلف الصحف والمواقع الصحافية الفرنسية.

* لننتهِ بمصطلح إسلاموفوبيا، الذي يريد الكثيرون، ومن ضمنهم اليسار، شطبه من القاموس. لماذا تعاني فرنسا كثيراً مع هذه اللفظة؟
- الباحثة كارولين فوريست والبروفيسور جيل كيبيل نجحا في فرض هذا الرأي بكون مصطلح الإسلاموفوبيا ابتكره بعضهم مؤخراً. وقاما بتكرار هذه الأكذوبة. أكذوبة كانت وستدوم. نذكّرهما وكل من يمشي خلفهما أن مصطلح الإسلاموفوبيا ظهر في السنوات الأولى من القرن العشرين، وسط المستشرقين والمتخصصين في المستعمرات الفرنسية. المصطلح استخدم تحديداً على يدي الحاكم العام موريس ديلافوس في حكمه على السياسة الكولونيالية المطبقة في الجزائر وغرب أفريقيا. وفي عام 1930، استخدم من قبل الرسام الفرنسي المهتدي إلى الإسلام اتيين دينيه، الذي ميز بين «إسلاموفوبيا شبه علمية» و«إسلاموفوبيا أكليروسية» ترجع جذورها إلى القدم، وقد اتهمهم منتقدوهم بـ«محبة الإسلام» و/أو «محبة العرب» لكي يفقدوهما حظوتهما ويصوروهما كخطرين ساذجين في أحسن الأحوال، ومساندين غير مسؤولين لـ«أبناء البلاد» من شمال أفريقيا في أسوأ الأحوال. في الوقت الحالي، نذكر أن تحقيقات الأمم المتحدة، المجلس الوطني الاستشاري لحقوق الإنسان في فرنسا، مدافعي الحقوق، العفو الدولية، التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا، وكذا الاتحاد الأوروبي جذبت اهتمام السلطات العامة إلى النتائج المدمرة للإسلاموفوبيا التي تنمو داخل فرنسا، وكانت سبباً لكثير من حالات التمييز والاعتداء. ومن اللازم أن يكون المرء أصم وأعمى مثل باسكال بروكنر، ومعاملة هذه الحقائق ببساطة، حتى يتم النظر إلى الإسلاموفوبيا كـ«عنصرية تخيلية».

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©