أبوظبي (الاتحاد)
يحتضن «متحف العين» -أول صرح متحفي أُسس في دولة الإمارات- معرض «حارة الحصن»، مقدماً نوعية في الجذور الثقافية والاجتماعية للمنطقة، ويستعرض المعرض، من خلال مقتنيات أثرية نادرة وتقنيات عرض تفاعلية، ملامح الحارة القديمة ودور «حصن الشيخ سلطان بن زايد» كمحور اجتماعي بارز، كما يسلّط الضوء على أهمية توثيق الأحياء السكنية باعتبارها سجلاً حياً للتحولات الثقافية والاجتماعية، ويأتي هذا المشروع بدعم شراكات مؤسسية، لتعزيز المحتوى البحثي وترسيخ الهوية الوطنية في الوعي المجتمعي.

كشفت ميثاء الظاهري، القيّمة الفنية في متحف العين، أبعاد المشروع الحيوي القائم على رؤى تدعم السياسات الثقافية للدولة، والذي يتجاوز كونه مجرد عرض للمقتنيات ليصبح «وثيقةً حية» توثق هوية المكان. يستهل الحوار ببحث الدلالات الرمزية لاحتضان «متحف العين» لهذا المعرض تحديداً، مسلطاً الضوء على الدور المحوري لـ«حصن الشيخ سلطان بن زايد» (الحصن الشرقي) كمركز ثقل مجتمعي صاغ ملامح «الحارة» تاريخياً.
وتستعرض الظاهري تفاصيل العرض، موضحةً قيمة المكتشفات الأثرية النادرة التي تزيح الستار عن نمط الحياة اليومية القديمة، وكيف نجح «السرد المتحفي المعاصر» في تطويع التقنيات التفاعلية لتقديم قصة المكان بأسلوب يواكب لغة العصر. وعلى الصعيد الحضاري، يتناول الحوار «فلسفة حفظ الأماكن التاريخية» وأهمية توثيق الأحياء السكنية، كركيزة أساسية في تعزيز الذاكرة الوطنية. مشيرة إلى التكامل المؤسسي، عبر الشراكة الاستراتيجية مع «الأرشيف والمكتبة الوطنية»، والتي شكلت رافداً بحثياً وتوثيقياً أثرى المحتوى العلمي للمعرض، دعماً لمسيرة صون الموروث والهوية الوطنية لدولة الإمارات.
البعد التاريخي والرمزي
حول الأهمية الرمزية لافتتاح معرض عن «حارة الحصن» في «متحف العين»، أوضحت ميثاء الظاهري أن إقامة المعرض في «متحف العين»، بصفته أقدم متحف في الدولة، يمثّل أهمية رمزية وتاريخية كبيرة، إذ يقع المتحف في الموقع ذاته الذي كانت تقوم فيه الحارة القديمة. وقد سُمّيت «حارة الحصن» نظراً لقربها من حصن الشيخ سلطان بن زايد، ما يعزز الارتباط العضوي بين الاسم والمكان والتاريخ. هذا التلاقي بين الموقع الفعلي والذاكرة المعروضة يمنح المعرض بُعداً أصيلاً، حيث يُعرض «تاريخ الحارة» في موضعها الحقيقي، مما يرسّخ قيمتها الرمزية ويعيد إحياء هويتها في وجدان المجتمع الإماراتي. وتابعت: يؤكد اختيار «متحف العين» لهذا المعرض دوره المحوري باعتباره مركزاً لحفظ الذاكرة الوطنية، خاصة بعد إعادة تطويره، وربطه بين الماضي والحاضر عبر تجارب حديثة.
وأكدت الظاهري حول مساهمة «حصن الشيخ سلطان بن زايد» «الحصن الشرقي» تاريخياً في تشكيل هوية هذه الحارة ومركزيتها المجتمعية، قائلةً حول ذلك: «لعب حصن الشيخ سلطان بن زايد دوراً محورياً في تشكيل هوية حارة الحصن، حيث كان مركزاً مجتمعياً تدور حوله الحياة اليومية لسكان الحي. فقد شكّل الحصن نقطة تجمع رئيسية، وأسهم في ترسيخ الطابع الاجتماعي للحارة التي كانت مجتمعاً نابضاً بالحياة، ما عزّز من مكانتها وأهميتها ضمن منطقة العين».

المحتوى والسرد المتحفي
حول مضامين المعرض وتحديداً «الاكتشافات الأثرية النادرة»، أوضحت ميثاء الظاهري أثر هذه المقتنيات التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية في الحارة، أبرزها «الطوب الطيني» المصنوع يدوياً، الذي يبرز تقنيات البناء التقليدية وعلاقتها الوثيقة ببيئة المنطقة. كما يضم المعرض عملات معدنية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، بما يعكس جوانب من النشاط التجاري، إلى جانب أغلفة رصاصات يُرجّح أنها استُخدمت في المناسبات الاحتفالية. كذلك تُعرض أدوات منزلية وقطع فخارية، مثل الأواني والأدوات المختلفة، التي تجسّد تفاصيل الحياة اليومية وتبرز الروابط الاجتماعية في الحارة. إلى جانب الصور والأدوات التقليدية المعروضة.
وأشارت الظاهري إلى أن تطور السرد المتحفي المعاصر في دولة الإمارات ومدينة العين، جاء من خلال تطوير السرد المتحفي بالاعتماد على تقنيات عرض تفاعلية وتجارب رقمية مبتكرة، إذ يصطحب الزوار في رحلة عبر الزمن تستعرض تطور الحي عبر الصور والأدوات والروايات الصوتية. ويسهم هذا النهج في إعادة إحياء ملامح الحارة القديمة، لتربط بين الماضي والحاضر وتعزز تفاعل الجمهور مع المحتوى.
الرؤية والقيمة الوطنية
عرفت ميثاء الظاهري القيمة الثقافية لحفظ الأماكن التاريخية وتثبيتها في الذاكرة الوطنية لدولة الإمارات، بأنها وسيلة للحفاظ على روايات المجتمع وترسيخ الهوية الوطنية. إذ يهدف إلى إحياء ذاكرة «حارة الحصن» وتكريم سكانها، مع نقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة. ولفتت الظاهري إلى أن أهمية توثيق الأحياء السكنية القديمة، تكمن في كونها سجلاً حيّاً للتحولات الاجتماعية والثقافية، حيث تعكس أنماط الحياة والعلاقات المجتمعية، مضيفة أن المتاحف تلعب دوراً جوهرياً في هذا السياق من خلال جمع الأدلة والروايات وتقديمها ضمن سرد متكامل يحفظ الذاكرة الجماعية ويجعلها متاحة للجمهور.
شراكات
وفي سياق التعاون مع جهات عدة من مثل «الأرشيف والمكتبة الوطنية»، وغيرها من المؤسسات الوطنية في مجال التوثيق والمتحفية، أكدت ميثاء الظاهري أن المعرض يعكس أهمية التعاون المؤسسي في دعم جهود التوثيق والحفظ، من خلال جمع المكتشفات الأثرية وتوفير المواد التاريخية، مبينةً أنه مثل هذه الشراكات، ومنها التعاون مع جهات ثقافية ووطنية، تسهم في تعزيز القيمة البحثية للمعرض، وضمان تقديم محتوى موثوق وغني يدعم مسيرة حفظ الموروث الثقافي في دولة الإمارات.

عمر الكعبي: تجارب مبتكرة تربط الماضي بالحاضر
وقال عمر سالم الكعبي، مدير متحف العين: «يمثّل متحف العين فصلاً جديداً في مسيرة الاحتفاء بتراثنا المشترك. ويجسّد معرض «حارة الحصن ذاكرة المكان والناس» التزامنا بالحفاظ على روايات أهل العين عبر تجارب مبتكرة تربط الماضي بالحاضر، وتكرّم حياً كان يوماً في قلب المدينة، مُلهِماً الأجيال القادمة تقدير التقاليد التي شكّلت هويتنا».