الأحد 3 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«إحياء الإصدارات الوطنية».. استثمار في الهوية وصناعة للمستقبل

جانب من إصدارات مبادرة «إحياء الإصدارات الوطنية» (الاتحاد)
3 مايو 2026 01:25

هزاع أبوالريش 

تمثل مبادرة «إحياء الإصدارات الوطنية» مشروعاً استراتيجياً يعيد اكتشاف الكتب والمراجع التي شكّلت ملامح البدايات الفكرية للدولة، وتأتي هذه المبادرة ثمرة اتفاقية تعاون مشتركة بين وزارة الثقافة والأرشيف والمكتبة الوطنية ومكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، بهدف إعادة طباعة ونشر الإصدارات النادرة وإتاحتها للأجيال الجديدة، بعد أن ظلت لسنوات بعيدة عن متناول القرّاء. 
ركزت المبادرة في مراحلها الأولى على إعادة طباعة الإصدارات الحكومية الاتحادية، مستهدفة نحو 50 عنواناً، بمتوسط يقارب 300 نسخة لكل عنوان، ومن أبرز هذه الإصدارات: «الدستور المؤقت لدولة الإمارات العربية المتحدة»، و«الآثار في دولة الإمارات العربية المتحدة»، و«عامان زاهيان في تاريخ إمارة أبوظبي»، وهي أعمال تحمل قيمة تاريخية ومعرفية كبيرة، وتشكّل مرجعيات أساسية لفهم مسيرة الدولة وتطورها. 

ولا تقتصر أهمية المبادرة على إعادة النشر فقط، بل تمتد إلى إعادة تفعيل هذا الإرث المعرفي ليصبح جزءاً حياً من الحراك الثقافي المعاصر، يسهم في بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية، من خلال تقديم محتوى أصيل يربط بين الماضي والحاضر، ويعزز حضور الإنتاج الثقافي الإماراتي محلياً وعربياً.

أكد المؤرخ والباحث الدكتور حمد بن صراي أن هذه المبادرة الرائدة تصب بشكل مباشر في خدمة الإبداع، وتسهم في استدامة الفكر على الساحة الثقافية المحلية، بما يدعم مسيرة النهوض بالإنسان والأوطان، مؤكداً الحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تخدم الحراك الثقافي المحلي وتمنحه زخماً أكبر، مشيراً في الوقت ذاته إلى أهمية تسهيل إدراج وتضمين إبداعات الكتّاب الإماراتيين ضمن إصدارات المبادرة بما يضمن حضورهم الفاعل.
وشدد بن صراي على أن الجهود التي تبذلها مكتبة محمد بن راشد بالتعاون مع الأرشيف والمكتبة الوطنية ووزارة الثقافة تُعد جهوداً كبيرة ومتكاملة، تعزز الثقة في نجاح مثل هذه المبادرات واستمراريتها، لما تحققه من أثر إيجابي يعود بالنفع على الوطن، ويسهم في ترسيخ مكانتها كمشاريع رائدة في المجال الثقافي والإبداعي.

إضافة فكرية
قال الكاتب حارب الظاهري، إن مبادرة إحياء الإصدارات الوطنية تسهم في حفظ وصون التراث الثقافي والأدبي المحلي، وتعزز حضور الإنتاج الأدبي الوطني في ذاكرة الأجيال، معتبراً إياها إضافة فكرية قيّمة. وأوضح أنه عند رصد الإنتاجات الثقافية ينبغي أن تستند إلى مراجع وأسس وثوابت وطنية ذات بعد عالمي، مشيراً إلى أن المبادرة تمثل مشروعاً ضخماً يتطلب دراسات معمقة ونقاشات موسعة لإثراء الرؤى المتخصصة، بما يسهم في تطويره ووضعه ضمن إطار حقيقي ومتفرد.

عنصر حي
أشارت الكاتبة والفنانة التشكيلية لطيفة محمد إلى أن هذه المبادرة تسعى إلى ترسيخ الوعي الثقافي ونقل الإرث المعرفي من مجرد حفظه إلى تفعيله في الواقع، مؤكدة أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد أرشيف جامد، بل عنصر حي يسهم في تشكيل الهوية وبناء المستقبل. كما أوضحت أن المبادرة توحّد جهود المؤسسات ضمن مشروع متكامل تقوده مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم بالتعاون مع الأرشيف والمكتبة الوطنية ووزارة الثقافة، إلى جانب إعادة تنشيط الإنتاج الثقافي الوطني من خلال إتاحته وتحديث أساليب عرضه وتداوله بما يجعله أقرب إلى القارئ المعاصر وأكثر تأثيراً في المشهد الثقافي.
وأضافت أن المبادرة تعزز الحراك الأدبي عبر توفير مرجعيات راسخة يستند إليها الكتّاب، وفتح مجال للحوار بين التجارب السابقة والحاضرة، ما ينعكس إيجاباً على جودة وتنوع الإنتاج الفكري، ويسهم في بناء مشهد أدبي متماسك قائم على التراكم المعرفي، ويعزز حضور الأدب الإماراتي محلياً وعربياً.

سردية الوطن
وأوضحت الكاتبة رحمة حسن، أن هذه المبادرة تعد خطوة استراتيجية ثقافية ومعرفية تصب في عمق الاستدامة الإبداعية، وتسهم في تعزيز الوعي والإلهام والابتكار بما يخدم مستقبل الأوطان، وبناء وعي الإنسان، وأضافت أن «إحياء الإصدارات الوطنية»، هي فكرة نوعية تعزز من مكانة الذاكرة الثقافية للدولة، وترسخ سردية تاريخ الوطن باحترافية عالية من خلال التوثيق والاهتمام والتوزيع، ومثل هذا التبني بحد ذاته إضافة للإرث الفكري- الثقافي.

خطوة نوعية
وترى الباحثة في التراث والتاريخ، فاطمة سلطان المزروعي، أن المبادرة تمثل خطوة نوعية تعكس وعياً متقدماً بأهمية صون الذاكرة الثقافية وتعزيز استمراريتها، بحيث أنها تنطلق من رؤية شمولية تجعل من الإصدارات الوطنية ركيزة حية يمكن إعادة تفعيلها وتوظيفها في الحاضر، بما يخدم أجيال الوطن.
وأضافت أنه يمكن اعتبار المبادرة استجابة ذكية لتحديات الزمن، إذ إن العديد من الإصدارات التي شكّلت ملامح البدايات الثقافية والفكرية في دولة الإمارات لم تعد متاحة بسهولة، أو بقيت حبيسة الأرشيف، وإعادة إحيائها تمنحها فرصة جديدة للتفاعل مع قراء جدد، مما يسهم في استمرارية السردية الثقافية الوطنية ويمنع انقطاعها عبر الأجيال.
وترى المزروعي أن المبادرة في المقام الأول تثري المحتوى الثقافي المحلي بمصادر أصيلة وموثوقة، وتدعم الباحثين والمهتمين بتاريخ الدولة الثقافي، بالإضافة إلى مواكبة التحول الرقمي عبر إمكانية رقمنة هذه الإصدارات وإتاحتها على نطاق أوسع، مشيرة إلى أن تعزيز التعاون المؤسسي بين الجهات الثلاث يضمن تنفيذه وفق رؤية تكاملية بعيدة المدى. 
وأكدت أن المبادرة تحمل أبعاداً اقتصادية، حيث يمكن اعتبارها رافداً مهماً للاقتصاد الثقافي والصناعات الإبداعية، فإعادة تقديم هذه الإصدارات تفتح المجال أمام تطويرها إلى منتجات ثقافية متنوعة، مثل الأفلام الوثائقية، والبرامج الصوتية، والمعارض التفاعلية، ما يمنحها حياة جديدة خارج إطار النشر التقليدي، كما تسهم في دعم الكفاءات الوطنية العاملة في مجالات النشر والترجمة وصناعة المحتوى، وتعزز من مساهمة القطاع الثقافي في الاقتصاد الوطني، وهو ما يتماشى مع توجهات وزارة الثقافة في دعم الصناعات الإبداعية.

حراك متجدد

وقالت المزروعي، إن مبادرة إحياء الإصدارات الوطنية لا تقتصر على المشروع التوثيقي، بل هي استثمار استراتيجي في الهوية الثقافية لدولة الإمارات، يجمع بين حفظ الماضي وتفعيل الحاضر واستشراف المستقبل، يسهم بشكل فعّال في ترسيخ حراك أدبي وثقافي متجدد، يعكس غنى التجربة الإماراتية ويضمن استدامتها للأجيال القادمة.

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©