أبوظبي (الاتحاد)
أطلقت دائرة التمكين الحكومي- أبوظبي تقريراً يطرح مفهوم «مفارقة القوى العاملة الأخفّ حجماً»، وهي ظاهرة يتخذ فيها الأفراد قرارات أقل مع تولّي الذكاء الاصطناعي مزيداً من المهام الروتينية، بينما تزداد أهمية كل قرار وتبعاته. ويرى التقرير أن التعامل الفعّال مع هذه الظاهرة سيكون من أبرز تحديات الحوكمة العقد المقبل.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة مساندة إلى جزء أساسي من العمليات المؤسسية، يصبح التساؤل حول المسؤوليات التي ينبغي أن تبقى بيد الإنسان.
ويبيّن التقرير أن الإشراف البشري، والتعامل مع الحالات الاستثنائية، والحكم الأخلاقي، وتحمّل النتائج، ستزداد أهميةً كلما اتسع نطاق عمل المؤسسات وتسارعت وتيرته.
وقالت ربى يوسف الحسن، المدير العام للشؤون الاستراتيجية واستشراف المستقبل في دائرة التمكين الحكومي: «ينصبّ معظم النقاش اليوم على وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي، غير أننا نرى أن الأولوية تكمن في تحديد دور الإنسان ومسؤولياته مع تولّي الأنظمة الذكية جزءاً أكبر من العمل».
وأضافت: «مع تراجع عدد القرارات البشرية وتنامي أثرها، ينبغي أن يحافظ الأفراد على المهارات والثقة اللازمة لممارسة الحكم عندما يتطلب الأمر التدخل البشري. ولا يقتصر هذا الأمر على العمل الحكومي، بل يشمل كل مؤسسة تتبنّى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، إذ يتعيّن عليها أن تحدد بوضوح ما يمكن إسناده إلى الأنظمة الذكية، وما يجب أن يبقى بيد الإنسان، ومن يتحمّل مسؤولية النتائج».
ومع مضيّ أبوظبي في تحقيق طموحها لتصبح أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي في العالم بحلول عام 2027، لا تكتفي دائرة التمكين الحكومي بدراسة كيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحويل الخدمات، بل تبحث أيضاً في كيفية تغييره لدور الإنسان داخل المؤسسات. ويرى التقرير أن الاستعداد لهذا التحول لا يقل أهمية عن توظيف التكنولوجيا ذاتها، مؤكداً أن الحكومات والمؤسسات التي تدمج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، ستحتاج إلى إعادة تصميم الأدوار وأطر المساءلة، وتحديد المسؤوليات بوضوح عند وقوع الأخطاء، بما يحافظ على ثقة المتعاملين والجمهور.
ويرسم التقرير 4 سيناريوهات محتملة لمستقبل العمل حتى عام 2040، ويركز على استكشاف مسارات مستقبلية بديلة، لا التنبؤ بمستقبل واحد، استناداً إلى عاملين رئيسيين من عوامل عدم اليقين، هما: سرعة تطور الأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي، ومدى ثقة الأفراد بالأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتعدّ دائرة التمكين الحكومي سيناريو «التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي» السيناريو المفضل للمستقبل، وهو نموذج يتولّى فيه الذكاء الاصطناعي الأعباء الإدارية، فيما يحتفظ الإنسان بمسؤولية الحكم في القرارات الجوهرية، وفهم التفاصيل والسياقات الدقيقة، والإبداع، وإدارة العلاقات. ويؤكد التقرير أن الوصول إلى هذا المستقبل لن يكون تلقائياً، بل يتطلب خيارات واعية، وتصميماً مدروساً للمنظومات، وجهوداً متواصلة لاستدامته.
وتشهد أبوظبي هذه التحولات بالفعل، إذ أكمل أكثر من 95% من موظفي الحكومة تدريباً في مجال الذكاء الاصطناعي، ويجري تشغيل أكثر من 100 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي في أكثر من 40 جهة حكومية، فيما تضم كل جهة حكومية رئيساً تنفيذياً للرقمنة والذكاء الاصطناعي. كما صنّف تقرير «مايكروسوفت» العالمي لانتشار الذكاء الاصطناعي للربع الأول من 2026 الإمارات في المرتبة الأولى عالمياً في اعتماد الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل.
ويطرح التقرير خمس نتائج عملية يمكن للمؤسسات البدء في تطبيقها اليوم، أولها مفارقة القوى العاملة الأخفّ حجماً.
أما النتيجة الثانية، فتناولت أربعة سيناريوهات مستقبلية محتملة للعمل.
وفي النتيجة الثالثة، أكد التقرير أن الثقة تمثل قدرة استراتيجية، إذ يعتمد تبنّي الذكاء الاصطناعي على الثقة بقدر اعتماده على التكنولوجيا.
وتناول التقرير في نتيجته الرابعة تنامي قيمة المهارات البشرية، مشيراً إلى أن تولّي الذكاء الاصطناعي مزيداً من المهام التشغيلية يوجّه قيمة الأفراد نحو القدرة على التقدير، والأخلاقيات، والتعاطف، والإبداع، وإدارة العلاقات.
وفي نتيجته الخامسة والأخيرة، دعا التقرير إلى الانتقال من التخطيط الاستباقي إلى التنفيذ، موصياً بخطوات أولية، هي: وضع معيار يحدد القرارات العامة التي تُسند مسؤوليتها دائماً إلى شخص محدد بالاسم، وإطلاق مشاريع تجريبية لإعادة تصميم الأدوار الوظيفية في الخدمات الحيوية.
وخلص التقرير إلى أن نجاح المؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي لن يُقاس بحجم الأتمتة التي تحققها فحسب، بل بقدرتها على تعزيز المسؤولية البشرية والثقة والمساءلة أيضاً. ويدعو التقرير إلى إعادة تصميم الأدوار ووضع آليات حوكمة واضحة تضمن أن تعزز التكنولوجيا عملية اتخاذ القرار البشري.