محمد عبد السميع (الشارقة)
عرضت الدورة الخامسة والثلاثون لـ«أيام الشارقة المسرحية» مسرحية «غياهب الروح»، التي تعالج الجانب الوجودي للإنسان، وتطرح قضايا كثيراً ما نغضّ الطرف عنها، باعتبارها مصدراً للقلق، وتهيباً من المكاشفة، أو حتى الجرأة في الاقتراب من هذه القضايا والمضامين.
كتب نص العمل عبدالله إسماعيل، وأخرجه عبد الرحمن الملا، وقدّمته فرقة جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، وسمحت هذه المسرحية لصوتنا، بل أصواتنا الداخلية، بأن تخرج عن صمتها، وتواجه أسئلتها بشجاعة، ضمن ثيمة العمل الرئيسية، ومدى قدرة الإنسان على مواجهة الذات، والخروج بها من عتمة الكبت والصمت والمحايدة، إلى نور السؤال، وشفافية الطرح، وموضوعية الحوار الذاتي تجاه هذه الثيم والمواضيع.
المسرحية، التي لاقت تفاعلاً من حضورها، وإشادة بموضوعها، تناولت أفكاراً فلسفية، لتعزيز طرحها الإنساني، خصوصاً وهي تتناول عدداً من الأبعاد الذاتية تجاه أفكار مؤرّقة، ومحلّ قلق، مثل موضوع السلطة والهيمنة المتضمنة فيها، كسلطة دينية واجتماعية ونفسية، بما في فضاء هذه السلطات من مخاوف تحدّد مسارنا الطبيعي في الحياة، بل وتثبط من عزيمتنا فيما يُفترض أن نعيشه ونحياه الحياة الطبيعية، احتكاماً إلى هذه المحددات.
على المستوى الفني، كانت مسرحية «غياب الروح»، تعمل ضمن فريقها وطاقمها في التمثيل والإخراج، على تكثيف اللغة البصرية، والتأثير المشهدي، باستثمار عُنصري الضوء والعتمة، لتعزيز ظلمة النفس أو انعتاقها من سجنها الداخلي وأوهامها المحددة، كما برز الحوار بين الشخصيات، كحوار للمنطق أمام عدم المنطق، مثلما حضرت «الأشباح»، كقوة خارجية أراد منها المخرج أن تكون مساندةً في هذا الزمن، وتعكس تفكير أبطال العمل، في حالة من عدم اليقين أو التأكد.
نقاشات
قدم العمل المسرحي حوارات مثمرة فكرياً وعدداً من الرسائل الإنسانية، كنقاشات بطلة المسرحية مع زوجها، لفقدان ابنتها، ومن هنا كان موضوع القَدَر من ناحية، وأخطاء البشر من ناحية أخرى، كما برزت الشخصيات في محطات معينة أرادها النصّ، ضعيفةً ومستسلمةً تؤمن بالغيبيات، دون أدنى محاولة للفهم. وجاء التوزيع الموسيقي داعماً لكل ذلك، في تصاعد الأنفاس الحوارية، وتوتّر الشخصيات، ليعود الجمهور أخيراً بعد مشاهدة العرض، محمَّلين بأفكار جديرة بالنقاش وإعادة النظر فيها أو قراءتها، خاصةً الخروج من شرنقة العرف نحو سعادة النفس الإنسانية، والتحرر الاجتماعي من ذلك، إلى فضاء ورحابة العقل.