الأحد 24 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

«الحكايات».. نسيج من التجارب الإنسانية

لوحة الشطرنج للفنان محمد تهامي (أرشيفية)
24 مايو 2026 02:23

علي عبد الرحمن (القاهرة) 

في لحظة صمت، بين نبضة قلب وأخرى، تتسلل الحكاية إلى وعي الإنسان كما تتسلل أشعة الشمس عبر نافذة مغلقة، والحكاية لا تأتي مطالبة بالبرهان، ولا تسعى لإقناع العقل وحده، بل تتجاوز ذلك لتغزو الروح، وتوقظ العاطفة قبل المنطق، وتدعو النفس إلى رحلة داخلية، رحلة لا يستطيع الواقع وحده أن يوفرها. ومنذ أن جلس الإنسان حول النار في كهوف ما قبل التاريخ، وقدماه تتداعى فوق الرماد الساخن، لم يكن يسرد القصة إلا للهروب من فوضى العالم الخام، ليخلق في ذهنه نظاماً جمالياً يمكن من خلاله فهم الألم والمعاناة، الموت والولادة، الفقد والاكتشاف. الحقيقة نفسها غالباً ما تفتقد هذا التنظيم المعنوي، وتأتي بلا غلاف يهيئ النفس لقبولها واستيعابها.

والحكايات، مهما بدت بسيطة، هي نسيج معقّد من التجارب الإنسانية، مليء بالرموز والإيقاعات النفسية التي تتسلل إلى العقل الباطن، والحقيقة من جهة أخرى، تتسم غالباً بالعشوائية واللايقين، فهي تسرد الأحداث كما هي، بينما تمنحنا الحكاية إطاراً متماسكاً لفهم التجربة الإنسانية، كما يقول الفيلسوف الفرنسي رولان بارت: «الحقيقة مجرد شعاع ضوء على وجه الظلال، بينما الحكاية تمنح الظلال شكلاً ونسيجاً»، نعم نحب الحكايات لأنها تمنحنا معنى، بينما الحقيقة، في أحسن الأحوال، مجرد انعكاس ضبابي لما نحن بحاجة لفهمه. 

الحب العاطفي للحكاية  
عشق الإنسان للحكاية متجذِّر في بنيته النفسية العميقة، ويرى «فرويد»، أن الحكاية تسمح للخيال بالتجول في فضاءات لا تسمح بها الحياة الواقعية، فتحرِّر الفرد من قيود الزمان والمكان، ومن ضغط الأعراف الاجتماعية والنفسية، إذنْ الحكاية ليست مجرد ترف فكري، بل مساحة أمان نفسي، حيث يمكن مواجهة المخاوف، والانغماس في حالات لا يستطيع الواقع منحها. 

لكن هذا البُعد النفسي لا يقتصر على التحرر الفردي من القيود، بل يمتد ليصبح أداة لفهم الذات والتعرف على أعماق النفس، ووفقاً لعالم النفس الأميركي جوزيف كامبل، فإن الحكايات تحمل في جوهرها ما يسميه «رحلة البطل»، وهي بنية متكررة عبر الثقافات المختلفة، تعكس صراعات الإنسان الداخلية والخارجية، وتحمل وعداً بعالم يمكن فيه للبطولة، والحكمة، والمحبة أن تنتصر. 
الحقيقة المباشرة، بالمقابل، لا تقدّم هذا النسيج المتكامل، فهي مجرد تسلسل أحداث غالباً ما تفتقر إلى البنية الرمزية التي تمنح التجربة عمقاً، كما يوضح كامبل: «الحقيقة تشبه خيطاً مفكّكاً، بينما الحكاية هي نسيج محكم من الرموز والمعاني». 

ومن منظور نفسي آخر، تكمن قوة الحكاية في قدرتها على تفعيل التعاطف والمشاركة الوجدانية، حين نتابع رحلة البطل أو البطلة، لا نكتفي بالملاحظة، بل نشعر بأننا جزء من التجربة، وأن قراراتهم تحمل ثقلها على كاهلنا، وفي الوقت نفسه نحن محميّون من العواقب الواقعية، والحقيقة مهما كانت صادمة، غالباً ما تحرمنا هذا الامتداد النفسي، فلا تمنحنا مساحة لتجربة الحياة من الداخل، بل تضعنا أمام صدماتها مباشرة، غير مهيئة للعقل أو الروح. 
علم الاجتماع النفسي، كما يؤكد الألماني إريك إريكسون، يشير إلى أن الإنسان يحتاج إلى سرد متكامل لتشكيل هويته النفسية، الأطفال والكبار على حدٍّ سواء يتعلمون عن العالم وعن أنفسهم من خلال القصص التي يسمعونها أو يقرؤونها، فهي تمنحهم إطاراً يمكن من خلاله استيعاب التجارب الحياتية المعقّدة، من الحب إلى الفقد، ومن الانتصار إلى الهزيمة.

الحكاية والفلسفة  
الحكاية ليست مجرد تَرَف أو وسيلة للهروب، بل هي فلسفة عملية للحياة، الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر يرى أن الحياة ليست مجرد سلسلة وقائع، بل «حدث كائن»، والمكانة التي يشغلها الإنسان ضمن هذا الحدث تتضح عبر السرد وليس عبر الوقائع المجردة، حيث الحكاية تمنحنا وسيلة لرؤية العالم من منظور التجربة الإنسانية الكاملة، حيث يصبح كل حدث، حتى المأساوي، قابلاً للفهم، لا مجرد معلومة تؤرّخها العين.
أما الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فيرى أن السرد يشكّل الواقع ذاته، فالحكايات ليست مجرد انعكاس للأحداث، بل طريقة لإعادة تشكيل الخبرة الإنسانية، وإعطائها أبعاداً تتجاوز التفسير المباشر، والحقيقة بالمقابل، غالباً ما تكون جامدة، منفصلة عن سياقها النفسي والاجتماعي، غير قادرة على توليد فهم أعمق للوجود.
وفي سياق مشابه، يشير عالم الاجتماع الفرنسي كلود ليفي-ستروس، إلى أن الحكايات والأساطير ليست مجرد خيال، بل هي أدوات ثقافية تعكس بنية المجتمع ذاته، وتكشف عن أنماط التفكير، والصراع بين الخير والشر، وتوزيع القوى بين الفرد والجماعة. والحكاية بهذا المعنى، هي إطار فلسفي واجتماعي يسمح لنا باستكشاف الطبيعة الإنسانية في أبعادها الأخلاقية والجمالية والنفسية. 

الجاذبية الجمالية للحكاية  
جانب آخر يميّز الحكاية، هو جمالها البصري واللغوي، ومن الأوديسة لهوميروس إلى الأمير الصغير إلى أنطوان دو سانت إكزوبيري إلى جبران خليل جبران، نجد أن الحكاية تنسج الواقع بخيوط من الشعر، الرمزية، والإيقاع الفني، ما يحوّل التجربة البشرية الخام إلى تجربة جمالية ومعنوية في الوقت ذاته. والجمال هنا ليس مجرد زخرفة، بل هو أداة للمعنى، فالرمز، واللغة التصويرية، والسرد المدروس، تمنح القارئ القدرة على التأمل والتفاعل العميق مع المشاعر الإنسانية: الفقد، الحب، الغضب، الخيانة، وحتى الأمل، والحقيقة الواضحة مهما كانت مدهشة، غالباً ما تخلو من هذا النسيج، فلا تمنح الروح القدرة على استيعابها أو تحويلها إلى تجربة ذات بعد إنساني وجمالي.

والأدب العربي المعاصر يقدّم مثالاً حياً على ذلك، ففي روايات نجيب محفوظ، نجد أن الحكاية تحوّل القاهرة الواقعية المعقّدة إلى فضاء مليء بالرموز والصراعات الأخلاقية، بينما الواقع المادي وحده لا يقدم سوى سرد مجرد للأحداث. 

مرآة للهوية الجماعية  
الحكايات أدوات لبناء الهوية الثقافية والجماعية، والمجتمعات عبر التاريخ استخدمتها لنقل القيم، وتفسير الظواهر الطبيعية، وتعزيز الانتماء، مثل الأساطير اليونانية، والحكايات الشعبية الأفريقية، والحكايات الشرقية القديمة، لم تكن مجرد وسيلة ترفيهية، بل إطاراً لفهم النفس البشرية، والمجتمع، وحتى الكون.
ويرى عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم، أن المجتمع يتشكل من خلال الرموز والقصص المشتركة، فالحكاية تمنح الجماعة إحساساً بالتماسك والانتماء، وتجعل من التجربة الإنسانية المشتركة أساساً للفهم الاجتماعي والأخلاقي، الحقيقة وحدها غالباً ما تكون محدودة السياق أو متحيزة للحدث، بينما الحكاية تُعيد صياغة الواقع في إطار شامل، يعكس رؤية للعالم ورؤية للإنسان داخله.
في الأدب الشعبي المصري، على سبيل المثال، تروي الحكايات الشعبية مثل «ألف ليلة وليلة» قيم العدالة، والشجاعة، والحكمة، وهي تحمل حكماً أخلاقية متراكمة عبر أجيال، بينما الحقائق التاريخية وحدها لا تقدم سوى سرد جاف للأحداث. 

مواجهة الحقيقة 
في عصر الأخبار الفورية ووسائل التواصل الاجتماعي، تتزايد الحاجة إلى الحكاية أكثر من أي وقت مضى، والحقيقة تتحول إلى بيانات، وأرقام، ووقائع، غالباً ما تكون مبعثرة وغير مترابطة، بينما تمنح الحكاية إطاراً لفهم هذه الوقائع، وتحويلها إلى تجربة شخصية قابلة للفهم والتفسير.
وهنا يظهر التناقض الأساسي، نعيش في عالم مليء بالحقائق، لكننا نحتاج الحكايات لنفهم هذه الحقائق، لنشعر بها، ولنمنحها معنى. كما يقول الباحث الأدبي الألماني والتر بنيامين: «الحكايات لا تروي فقط ما حدث، بل تخلق ما كان يجب أن يحدث لتصبح الحياة صالحة للفهم». 

البحث عن المعنى  
الحكاية، في جوهرها، هي رحلة الإنسان المستمرة نحو المعنى وسط فوضى الواقع. نحبها لأنها تمنحنا إيقاعاً وشكلاً ونظاماً، وتقدّم وعداً بالعدالة أو النهاية، وتتيح لنا الغوص في تجربة إنسانية متكاملة، حتى عندما تكون مأساوية أو مستحيلة. الحقيقة، في أفضل صورها، تبقى مجرد مرجع خارجي، لكنها لا تمنح القلب الحرية، ولا تُغني الروح. 
في نهاية المطاف، ننجذب إلى الحكايات لأنها تجعلنا أكثر من مجرد شهود على الحياة، فهي تسمح لنا بأن نكون جزءاً من العالم، مترجمين تجربته إلى معنى، مجرّبين في إطار آمن كل ما يثيرنا ويخيفنا ويحرّكنا، الحكاية هي الحقيقة التي نختار أن نفهمها، ونعيشها، ونحبها، في عالم غالباً ما يكون فيه الواقع مجرد ضوء خافت ينساب عبر نافذة مغلقة. 

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©