فاطمة عطفة (أبوظبي)
تشهد الساحة الثقافية حراكاً متنامياً تقوده المنتديات والصالونات الأدبية، التي باتت تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الثقافة بوصفها ممارسة يومية وجزءاً أصيلاً من الوعي المجتمعي. ولم تَعُد هذه الملتقيات مجرد منصات لعرض الكتب ومناقشة الأعمال الأدبية، بل تحوّلت إلى فضاءات فكرية مفتوحة تجمع الكتّاب والنقاد والإعلاميين والقراء في حوارات تُثري المشهد الثقافي وتُعزّز قيم الاختلاف والانفتاح وتبادل الرؤى.
وأسهمت اللقاءات المشتركة بين المنتديات الثقافية المختلفة في بناء جسور معرفية بين مختلف التخصصات الأدبية والفكرية، كما فتحت الجوائز الأدبية الكبرى الباب أمام حراك إضافي في المجال القرائي والنقدي، عبر توسيع دوائر النقاش حول الأعمال المرشّحة وتعميق أثرها داخل المجتمع.
يرى مثقفون أن هذا التفاعل المتواصل يعكس وعياً مجتمعياً متقدماً بأهمية الثقافة في بناء الإنسان، إلى جانب دوره في صناعة بيئة إبداعية أكثر حيوية واستدامة، كما يسهم في تعزيز الهوية الثقافية الإماراتية.

نجاح لافت
أكدت أسماء صديق المطوع، مؤسسة صالون «الملتقى الأدبي»، أن اللقاءات الجماعية للصالونات الأدبية أثبتت نجاحاً لافتاً، خاصة في مناقشة القوائم القصيرة لكل من الجائزة العالمية للرواية العربية وجائزة الشيخ زايد للكتاب، حيث عمّقت الحوار ووسّعت أفق القراءة، مبينة أن هذه اللقاءات تميّزت بغياب المجاملة، كما أدى اختلاط القرّاء مع الكتاب والنقاد والإعلاميين إلى رفع سقف الفكر والثقافة، وأسهم في تعزيز النقد البنّاء وتبادل الخبرات، لتدعم التجربة المؤسسات الثقافية في تطوير برامج أكثر تنوعاً وارتباطاً بالواقع، ما يجعل الحراك الثقافي أكثر حيوية وتأثيراً واستدامة.

وجهات نظر
وقالت الدكتورة فاطمة المعمري، من مجلس شما للفكر، إن اللقاءات في الصالونات الثقافية تسهم في تشكيل وعي المجتمع وتطويره، فهي لا تقتصر على طرح الأفكار فحسب، بل تتيح مساحة للتفاعل وتبادل وجهات النظر بين مختلف الخلفيات الثقافية والمعرفية، ويسهم هذا التنوع في إثراء النقاش وتعميق الفهم، وتعزّز من ثقافة الاختلاف.
وأشارت المعمري إلى أن المنتديات الأدبية تؤدي دوراً مهماً في تنمية الذائقة الفكرية والنقدية، وتشجّع على القراءة والاطّلاع، وتربط الأفراد بالحراك الثقافي بشكل مباشر، مما يجعل الثقافة جزءاً من الحياة اليومية، ولا يقل أهمية عن ذلك دورها في دعم المثقفين وإبراز الأصوات الجديدة، وبناء شبكات تواصل ثقافية تسهم في استدامة التأثير الثقافي داخل المجتمع.

استراتيجية
أكدت الكاتبة والإعلامية عائشة سلطان أن الملتقيات والمنتديات الثقافية تُمثّل رسالة مجتمعية واضحة تعكس وجود حراك ثقافي متنامٍ، تؤدي فيه المرأة دوراً محورياً وفاعلاً في المشهد الثقافي المحلي، وأشارت إلى أن هذه المنتديات تنسجم مع استراتيجية الإمارات لترسيخ الثقافة بوصفها جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للفرد.
وأضافت أن هذا الحراك الثقافي يجسّد أهمية العمل على بناء مجتمع يوازي في اهتمامه بالثقافة اهتمامه بالاقتصاد والسياحة والتنمية، وأشارت إلى أن اهتمام مؤسسات المجتمع المدني بتنظيم هذه المنتديات، يعكس مستوى متقدماً من حرية الفرد وقدرته على تأسيس كيانات اجتماعية وثقافية، مما يقدّم مشهداً ثقافياً يعبّر عن وعي مجتمعي متقدم.

ركيزة أساسية
أكد الدكتور تركي الزعابي، من صالون الجاحظ الأدبي، أن التعاون والتكامل بين المنتديات القرائية ركيزة أساسية في تعزيز الحراك الثقافي وبناء مجتمع معرفي أكثر وعياً وتماسكاً، موضحاً أن بعض المنتديات الثقافية تتخصص في مجالات محددة، سواء في الأدب أو الفلسفة أو التاريخ، ويشكّل التقاء هذه المنتديات إثراءً للتنوع الفكري يفتح مساحات للحوار والنقاشات البناءة، ولا ينعكس أثر هذا الترابط الثقافي على أعضاء المنتديات فقط، بل يمتد إلى المشهد الثقافي العام، بما يسهم في دعم قيم الحوار والانفتاح وتبادل الأفكار.

خبرات وتجارب
أكدت سلوى القدومي أن الملتقيات الأدبية تُمثّل فضاءات ثقافية وفكرية مفتوحة للحوار وتبادل الأفكار، حيث تلتقي فيها الخبرات والتجارب المختلفة لاستعراض الرؤى المتنوعة والتعرف إلى أساليب القراءة والنقد التي تتبنّاها الملتقيات والمنتديات الأخرى. مما يسهم في إثراء النقاش الثقافي وتعزيز التفاعل بين المهتمين بالأدب والفكر.
وأعربت عن تقديرها للجهود المبذولة في خدمة الثقافة والفكر والأدب، مثمّنة الدور الذي يقوم به القائمون على هذه المنتديات الثقافية في ترسيخ الحضور الإبداعي ودعم الحراك المعرفي، مشيرة إلى مساهمة هذه المبادرات في إنتاج أفكار بنّاءة وصياغة رؤى ملهمة قادرة على الإسهام في تشكيل مشهد ثقافي ومعرفي أكثر حيوية وتأثيراً داخل المجتمع.
جوائز وتكريم
أشارت الكاتبة والناقدة الدكتورة مريم الهاشمي إلى أهمية الجوائز الأدبية في مجالات الرواية والقصة والشعر والنقد، حيث أسهمت في تنشيط الأندية والمنتديات القرائية، حتى أصبحت هذه الملتقيات جزءاً أساسياً من النقاشات الثقافية المرتبطة بالجوائز الأدبية.
وأوضحت أن القيمة الحقيقية للجوائز لا تقتصر على تكريم الفائزين أو إعلان نتائج لجان التحكيم، بل في الأثر المجتمعي والحراك الثقافي، خاصة أن هذه المنتديات القرائية تُمثّل شرائح متنوعة من المجتمع، يجمعهم حب الكلمة والأدب، وهو ما يعزّز قيمة الحوار الثقافي وتبادل الرؤى حول الأعمال الأدبية المشاركة في الجوائز.
وأكدت أن هذا التفاعل كان واضحاً في متابعة ومناقشة الجوائز الأدبية الكبرى، مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب وغيرها من الجوائز الثقافية، حيث سلّطت المنتديات القرائية الضوء على الأعمال الأدبية، وعملت على تعميق النقاش حولها.

مشروع تكاملي
بيّنت الكاتبة مها أبوحليقة من «مؤسسة بحر الثقافة»، أن هذه اللقاءات تمثِّل إجماعاً على شغف القراءة والمعرفة وسعة الإدراك، لتعزيز المشهد الثقافي في الدولة، من خلال خطوات نوعية تمدّ جسور التواصل بين الكتاب والمبدعين والمؤسسات والمنتديات الأدبية، مما أسهم في تبادل الخبرات وصناعة مبادرات أكثر نضجاً وتأثيراً، كما ترسّخ فكرة «الثقافة مشروع تكاملي لا فردي»، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على جودة المنتج الثقافي واستدامته، وإضفاء بُعد مجتمعي واسع.